موارد الغاز تُشعل الصراع في المتوسط

موارد الغاز تُشعل الصراع في المتوسط

موارد الغاز تُشعل الصراع في المتوسط

إرم – (خاص )

أطلقت موارد النفط والغاز شرق المتوسط نذر مواجهات بين القوى الكبرى الطامعة بإقتسام هذه الثروة الواعدة، فبعد أن ظلت الولايات المتحدة الأمريكية على مدى أكثر من عقدين لا تضع قضية الأمن البحري لمنطقة شرق البحر المتوسط على قائمة أولوياتها، فإن اكتشاف ما قد يصل إلى نحو 3,450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ونحو 1.7 مليار برميل من النفط في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط جعل موضوع أمن هذه المنطقة يقفز إلى صدارة الاهتمامات، فتركيا وقبرص لديهما مصالح متنافسة في الاستفادة من هذه الثروة المكتشفة حديثا والدفاع عن حقوقهما في الحصول على موارد النفط والغاز هذه، بينما يستمر النزاع بين إسرائيل ولبنان على الحدود البحرية المشتركة والمياه الإقليمية.

 

وعلى خلفية هذا المشهد، تتصاعد حدة التوترات السياسية في مصر، وتسعى موسكو جاهدة لتوسيع نفوذها في الملف السوري، بينما تواصل إيران تسهيل الأنشطة الإرهابية من خلال أعوانها في قطاع غزة ولبنان، ويجسد الوضع الحالي للقوة الأمريكية في الخليج العربي نوعية الاستثمار العسكري الذي قد يصبح ضروريا في شرق البحر الأبيض بينما تتكثف سحب الصراع، ويشمل ذلك إنشاء مواقع أمنية تعاونية في مواقع جغرافية مواتية، وبناء تسهيلات عمليات جاهزة للعمل عند الاستدعاء، وتوقيع اتفاقات مسبقة مع الدول المستضيفة، تتيح للمؤسسة العسكرية الأمريكية الاستفادة منها عند الحاجة.

 

نظرة على التوزع الجغرافي للثروة الجديدة

وطبقا لمجلة  American Enterprise Institute فإنه يبدو أن قبرص ستكون أحد أهم مواقع الصراع، حيث تعتقد الحكومة القبرصية  أن لديها 1,770 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ضمن حدود مياهها الإقليمية، ويشكل قرب حقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط من السواحل والأسواق الأوروبية الرئيسة عنصرا جذابا  لكثير من المستثمرين العالميين؛ إذ تستثمر عدة شركات أمريكية وأوروبية هذه المنطقة، وبدأت حقول الغاز بالفعل في إعادة صياغة توجهات التحالفات الإستراتيجية بالفعل.

 

فعلى سبيل المثال، فقد أدت توقعات توسع التعاون الاقتصادي بين إسرائيل وقبرص إلى مصالحة دبلوماسية بينهما، ففي شباط/فبراير 2012، أصبح بنيامين نتنياهو أول رئيس وزراء إسرائيلي يقوم بزيارة رسمية إلى هذه الجزيرة الواقعة على بعد 175 ميلا فقط من سواحل إسرائيل، وتخطط الدولتان الآن لتمديد خط أنابيب غاز من قبرص إلى إسرائيل عبر جزيرة كريت اليونانية، ومن ثم إلى الأسواق الأوروبية، أو تشييد مصنع مشترك للغاز الطبيعي المسال في فاسيليكو على الساحل الجنوبي لقبرص، ولقد أصبحت الولايات المتحدة مكتفية ذاتيا من الجازولين والغاز الطبيعي، وقد تصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2030، وربما تتمكن من تصدير النفط بعد نحو عقد من هذا الموعد، وعلى الرغم من ذلك، فإن معظم العالم الصناعي لا يزال يعتمد على نفط منطقة الشرق الأوسط ودول الخليج على وجه التحديد.

 

تركيا اللاعب الوافد للمنطقة

ساهم الموقع الجغرافي المتميز لتركيا في جعلها لاعبا مهما في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، واستخدمت أنقرة صلتها بالشطر الشمالي من جزيرة قبرص (قبرص التركية) للمنازعة على السيادة على حقول النفط والغاز في قبرص، وفي آذار/مارس 2013، هدد وزير الطاقة التركي، تانر يلدز، بأن الحكومة التركية ستوقف أعمال الشركات التي تعمل في قطاع الغاز والنفط في قبرص (مثل شركة “Eni”  الإيطالية للنفط والغاز) من العمل في مشاريع داخل تركيا، كما أن تركيا هددت باستخدام القوة العسكرية ضد قبرص بعد أن بدأت بعض الشركات التنقيب عن النفط والغاز في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط في أيلول/سبتمبر 2011.

 

وفي الشهر نفسه، قامت شركة النفط الحكومية التركية بتنفيذ حفريات استكشافية، تحت حراسة القوات التركية، بالقرب من المياه الإقليمية للشطر اليوناني من جزيرة قبرص، كما أن الحكومة التركية تعتبر إسرائيل وقبرص مصادر تهديد، بالإضافة إلى روسيا، وتعدّ تركيا في وضع جيد للدفاع عن نفسها، فهي تملك أقوى أسطول بحري في المنطقة يضم (200) سفينة تشمل عددا من الفرقاطات، والسفن الحربية السريعة، والغواصات التكتيكية، والزوارق الحربية السريعة، وسفن الإنزال البرمائي، وسفن الإمداد، بالإضافة إلى قيادة إقليمية لهذا الأسطول في غولكوك على بحر مرمرة.

 

مساعي روسيا لاستعادة مكانتها ونفوذها

 وقد أعطت المؤشرات حول الغاز زخما قويا لموسكو لإستعادة نفوذها في المنطقة. وكانت موسكو تحتفظ بوجود عملياتي بحري من أسطولها الخامس عام 1967 في البحر الأبيض المتوسط لموازنة قوات حلف شمال الأطلسي “الناتو” والأسطول السادس الأمريكي، غير أن البحرية السوفيتية انسحبت في 1992 عقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.

 

وفي أيار/مايو 2013، وعلى خلفية الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمرا بإرسال قوة واجب تضم 16 سفينة حربية وسفن إسناد بحري إلى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وأعلن المسؤولون الروس عن خطط لتحويل هذه القوة إلى وجود عسكري روسي دائم في هذه المنطقة، مع إمكانية إنشاء قيادة بحرية، ربما في ميناء طرطوس السوري، الذي ربما قد يكون قد أصبح المنفذ البحري السوري لاستقبال الأسلحة الروسية المصدرة إلى الحكومة السورية خلال الحرب الأهلية، والمعروف أن بوتين يسعى لاستعادة مكانة روسيا كقوة عظمى، ويعتقد أنها يجب أن تمتلك القدرة على إظهار قوتها في الخارج على غرار الاتحاد السوفيتي السابق.

 

نزاع الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان

وقد أضافت الثروة الجديدة بعدا جديدا للنزاع المزمن بين اسرائيل ولبنان، ويحتاج لبنان بشدة إلى استكشاف موارد الطاقة الكامنة في مياهه الإقليمية نظرا لثقل ديونه الخارجية والعجز الكبير في ميزانيته العامة والذي يبلغ 55 مليار دولار أي ما يعادل نحو 175% من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من أن كوفي أنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، قد شهد على اكتمال الانسحاب الإسرائيلي من أراضي لبنان عام 2000، إلا أن الحدود البحرية والمياه الإقليمية الممتدة بطول 330 ميلا مربعا، لا تزال موضع نزاع بين الدولتين.

 

دخول إيران كطرف

وقد أضاف الغاز في بحر المتوسط سببا آخر لإيران للتدخل في المنطقة. وتسعى الحكومة الإيرانية بشكل متزايد إلى توسيع وجودها العسكري البحري على حدودها في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، طبقا لتصريحات أدلى بها حسين سلامي، نائب قائد قوات الحرس الثوري في إيران؛ الذي أعلن في احتفال في أيار/مايو الماضي عن توسيع “نطاق حدود بلاده البحرية الأمنية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وترجم ذلك إبتداء من شباط/فبراير 2011، حين عبرت السفن الحربية الإيرانية قناة السويس للمرة الأولى منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وقامت إيران بمحاولات متكررة لتهريب الأسلحة إلى حركة حماس في قطاع غزة، ففي 3 كانون الثاني/يناير 2002، تمكنت البحرية الإسرائيلية من الاستيلاء على سفينة تحمل 50 طنا من الأسلحة الإيرانية كانت في طريقها إلى حركة حماس في قطاع غزة، وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، استولت القوات البحرية الإسرائيلية على سفينة شحن  (Francop)، زُعم أنها تحمل 320 طنا من الأسلحة من إيران في طريقها إلى حزب الله اللبناني، وخلال حربه مع إسرائيل عام 2006، تمكن حزب الله من محاصرة السفينة الحربية الإسرائيلية (INS Hanit) وتقييد حركتها باستخدام النسخة الإيرانية من الصاروخ الصيني الصنع سي -208.

 

 

صعود وسقوط الإخوان المسلمين

عقب سقوط نظام الرئيس حسني مبارك في مصر في شباط/فبراير 2011، ظهر فراغ أمني في سيناء نتج عنه شن أكثر من 15 هجوما لتفجير خط أنابيب نقل الغاز المصري الممتد بطول 60 ميلا من حقول الغاز في شمال سيناء إلى عسقلان بإسرائيل، وما تزال الأعمال الإرهابية في صحراء سيناء تشكل تحديا للتعاون العسكري المشترك بين مصر وإسرائيل، وربما تؤدي إزاحة الرئيس محمد مرسي من الحكم في 3 تموز/يوليو 2013 إلى زيادة حدة عدم الاستقرار في مصر؛ إذ اشتبك أنصار مرسي مع قوات الجيش المصري في السويس والإسماعيلية الواقعتين على ساحل قناة السويس، وبدأت جماعات متطرفة أخرى تقاوم الجيش المصري، بالإضافة إلى الإخوان المسلمين، وبالتالي فإن اتساع دائرة عدم الاستقرار قد يهدد حركة الشحن عبر قناة السويس على نسق ما جرى في حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973 بين العرب وإسرائيل.

 

إعادة ترتيب أوضاع القوة الأمريكية من جديد

وإذا كان في حكم المؤكد أن حماية حرية الملاحة الدولية في الخليج العربي وضمان أمن حلفاء الولايات المتحدة في الدول المطلة على الخليج العربي يعدّ مصلحة أمريكية أساسية؛ فإن أمن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط سيزداد أهمية خلال العقد التالي، وتعكس أوضاع القوة الأمريكية في الخليج العربي نوعية المساهمة العسكرية التي قد تصبح ضرورية في شرق البحر الأبيض المتوسط. لقد ظلت البحرية الأمريكية تحتفظ دائما، على مدى أكثر من عقدين، بحاملة طائرات ضاربة واحدة على الأقل في مياه الخليج العربي، مع حاملة أخرى في الجوار في بحر العرب أو البحر الأحمر.

 

بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ المؤسسة العسكرية الأمريكية بعدد من التسهيلات العسكرية الأخرى في الخليج العربي تتضمن قاعدة بحرية ومقرا إقليميا في البحرين، وقاعدة للجيش (قوات برية) في الكويت، وفي دولة قطر هناك مركز عمليات جوية مشترك، ومركز قيادة أمامي للقوات الجوية ومعسكر تخزين للمعدات الحربية المتمركزة مسبقا يتبع للقيادة المركزية للجيش الأمريكي.

 

والسؤال هنا: هل ينبغي على الولايات المتحدة أن تكرر شكل وجودها العسكري في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط ليصبح مشابها لما هو عليه في منطقة الخليج العربي؟ ينبغي على الولايات المتحدة إذا أرادت إنشاء وضع دفاعي فاعل في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط أن تحصل على مواقع جديدة للتعاون الأمني، تتمتع بأفضلية جغرافية، وتسهيلات عملياتية جاهزة للاستدعاء، تستند إلى اتفاقات مسبقة مع الدول المستضيفة تتيح للولايات المتحدة استخدامها عند الحاجة.

 

وبإمكان إسرائيل أن تستضيف قوات في حيفا، وهي إحدى موانئ العبور التي تتردد عليها سفن البحرية الأمريكية وأفرادها في طريقهم إلى وجهات أخرى، وهناك قاعدة لسلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بالقرب من ليماسول، على الشواطئ الجنوبية لجزيرة قبرص، بالإضافة إلى قاعدة للاستخبارات والاتصالات الإلكترونية في ديكيليا في جنوب شرق قبرص، وبإمكان اليونان أن تنضم لإطار “شراكة للدفاع عن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط”، ومن الضروري هنا أن تحاول الحكومة الأمريكية إقناع اليونان وقبرص بأن الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل تستطيع ضمان مصالحهما الدبلوماسية والاقتصادية أكثر من روسيا والدول العربية في الشرق الأوسط. وختاما، فإن إقليم شرق البحر الأبيض المتوسط سيكون مختلفا تماما عام 2030 عما هو عليه في عام 2013، وعلى الولايات المتحدة أن تستعد لذلك منذ الآن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث