“ثقافة الهزيمة” .. حالة سائدة!

ونحن في واقع الأمر - تحت النظام الحالى - لا نعانى نقصاً فى كل أشكال الحياة فحسب، بل إن معاناتنا امتدت لهويتنا وسمعتنا نفسها أمام العالم الذي أصبح ينظر إلينا نظرة مغايرة بعد مرور أكثر من عامين على ثورة 25 يناير

“ثقافة الهزيمة” .. حالة سائدة!

محمد حبوشة

فى كتابه الشهير”ثقافة الهزيمة” أو The Culture of Defeat، يؤكد مؤلفه “وولفغانغ شيفلبوش” أن أهم شيء في فنون الحرب الحديثة ليس الانتصار على عدو ما، بل إبقاء ذلك العدو أسيراً لعار السقوط ولحظة الهزيمة والوقوع على الأرض، لا يخرج منها أبداً ولا يخرج من عاره أو من هزيمته.

والمتأمل للمشهد السياسي المصري سوف يلحظ من أول وهلة أن “ثقافة الهزيمة” متجذرة فى شأنه العام، بل إنها قد انحدرت بنا إلى ذلك الدرك الأسفل من الهوان والاستكانة، فى ظل قبضة تيار الإسلام السياسي “بشرعية الصندوق”، والتى تغلب على كل شيئ مشيرة إلى أن “الخصوم أو المعارضة” قد منيت بهزيمة ساحقة جعلتها تخرج عن طورها وتستهدف مصالح الناس وتضر بالاقتصاد من خلال ماتقوم به من احتجاجية واعتصامات لاتجدى سوى حصاد مر على البلاد والعباد، وأن الذين خرجوا من السباق الرئاسى لم يعد شغلهم الشاغل سوى التربص بالدين والوطن، والتأصيل لثقافة الهزيمة المهلكة التى تستنزف الشارع المصري الذي يعانى بالأساس ظروفا اقتصادية ضاغطة، وكأن اختيار الرئيس ونظامه نعمة تستحق الشكر والحمد لله تعالى ليل نهار، وأن الإنجاز على المستوى السياسى والاقتصادى والأمنى ليس من أبجديات العمل السياسى العام فى أعقاب ثورة يناير 2011 ، والتى قامت تحت شعار ” عيش – حرية – عدالة إجتماعية”.

 

ونحن في واقع الأمر – تحت النظام الحالى – لا نعانى نقصاً فى كل أشكال الحياة فحسب، بل إن معاناتنا امتدت لهويتنا وسمعتنا نفسها أمام العالم الذي أصبح ينظر إلينا نظرة مغايرة بعد مرور أكثر من عامين على ثورة 25 يناير التى أذهلت العالم، وتجلت فيها عظمة المصريين- 18 يوما فقط – وكأنها أصبحت الآن طيف من الماضي الجميل فى ظل عناد النظام وأركانه ، والذى لايفهم أن الذين خسرو السباق الرئاسي وهم الآن فى خندق المعارضة قد فهموا على نحو مغاير ما يرمى إليه «وولفغانغ شيفلبوش» في موضع آخر من نفس الكتاب قائلا: إن النصر الأعظم الذي تستطيع قوة من القوى أن تلحقه بأعدائها هو أن تظل تضغط عليها نفسياً باستمرار، وأن تذكرها طوال الوقت بهزيمتها، وأن تستبقيها إلى الأبد أسيرة لثقافة الهزيمة، وهم فى ذلك يعتبرون أن قمة هزيمة النظام الحالى تتجلى يوميا فى ضعف الأداء وسوء الإدارة والنيل من مصالح البسطاء الذين يشكلون الغالب الأعم من أبناء مصر.

الحقائق المذهلة على أرض الواقع المعاش في مصر الآن تؤكد أنها بالفعل أننا على وشك أن تكون “خرابة”، كما عبر عنها الرئيس المخلوع عبر كتاب “مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان” لمؤلفه الأستاذ محمد حسنين هيكل حيث يقول: كيف يمكن تفسير الأحوال التى ترك حسنى مبارك مصر عليها، وهى أحوال تفريط وانفراط للموارد والرجال، وتجريف كامل للثقافة والفكر، حتى إنه حين أراد أن ينفى عزمه على توريث حكمه لابنه، رد بحدة على أحد سائليه وهو أمير سعودى تواصل معه من قديم، قائلا بالنص تقريبا: “يا راجل حرام عليك ، ماذا أورِّث ابنى،أورثه خرابة”؟!، ولم يسأله سامعه متى وكيف تحولت مصر إلى “خرابة” حسب وصفه!.

والثابت حاليا أن الظروف الاقتصادية في مصر تزداد سوءاً ولا تتحسن نتيجة للثورة، كما أن التضخم زاد عن 12% في مصر، وارتفعت معدلات البطالة، ناهيك عن تراجع الاحتياطى من النقد الأجنبى بالبنك المركزى، وتراجع الجنيه أمام الدولار وارتفاع أسعار السلع الغذائية والخدمات إلى آخر هموم المصرين.

ولأن لنا في التاريخ عبرة فالأمم – دولا وشعوبا – ماهى إلا قطيع كبير من البشر ترتسم أحلامهم ومطامحهم بناء على الغذاء الثقافي الذي يتلقونه عبر وسائل الإعلام، فإذا فسد الغذاء الثقافي وغابت القدوة والتوى سلوك الكبار فسدت الأحلام، ومن ثم فسدت المطامح، وبالتالي تتولد “ثقافة الهزيمة” والاستسلام للأمر الواقع الذى أصبحوا يعيشه كثير من المصريين حاليا ، وهى حالة خطيرة تخلق اللامبالاة، وتقتل الانتماء، ويتربى في أحضانها شر وليد في الكون، إنه الإبن البكر، والعدو الأكبر للفكر والإبداع والتقدم المستحق، إنه النفاق وكذلك التملق فى ظل مايرسخ له إعلام المشايخ والدعاة الذين أصبحوا ضيوفا دائمين يعزوفون لحنا جنائزيا، ولغة تشكيكية ليس في المعارضة وأحكام القضاء فحسب، بل في ضمير ووعى الناس أنفسهم كما تبدو على صفحات “الفيس بوك” وبرامج “التوك شو” التى قسمت الشعب المصرى إلى “ثوريون – إخوان – سلفيون – علمانيون – فلول “!.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث