“السلك”.. رحلة فلسطيني فوق أشلاء وطن

"السلك".. رحلة فلسطيني فوق أشلاء وطن

“السلك”.. رحلة فلسطيني فوق أشلاء وطن

القدس- (خاص) من أحمد ملحم

لم تنجح الأسلاك الشائكة التي حاول الاحتلال من خلالها سجن روحه 20 عاما في قتل ابتسامته، فقد حرص عليها في عتمته وأتقن المحافظة عليها، متنبئا بلحظة يحمل بها روايته “السلك” كي ترى النور يومًا بأناقة حرة تحت السماء، كما يليق بها.

 

الابتسامة لم تفارق الأسير المحرر عصمت منصور( 36 عاما) وهو يوقع روايته على إيقاع زغرودة والدته التي ملأت جنبات متحف محمود درويش في مدينة رام الله، حياة وفرحا مؤجلين منذ عقدين، باعثة في نفوس الحضور مزيجا من الفرح المتأرجح على حدود البكاء.

 

رواية “السلك” التي ولدت في عتمة زنازين الاحتلال، هي الطفلة الثالثة للمحرر منصور بعد روايتي “سجن السجن” و”فضاء مغلق”.

 

وتروي “السلك” محاولات أهالي قطاع غزة لتجاوز السياج الفاصل بين القطاع وبقية الأراضي الفلسطينية، حيث يقف السلك الذي زرعه الاحتلال عائقا أمامهم، مقسما وطنهم إلى ثلاثة أقسام هي “الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948”.

 

استطاعت الرواية إثارة دهشة القراء والنقاد، لاعتماد كاتبها على شهادات مسموعة من أسرى قطاع غزة داخل السجون، وصياغتها بأسلوب روائي مكثف، يوحي للقارئ أن الروائي عاش في غزة ولامس حياتها اليومية بكل حواسه، وهو الأمر الذي لم يحدث واقعا.

 

وأعادت الرواية، بحسب الروائي والكاتب أحمد رفيق عوض، الاعتبار لـ”الجماعة الفلسطينية” في الرواية الفلسطينية كسبيل للخلاص، من خلال استعانة الروائي بالسرد الروائي المكثف والمفردات القوية والاستناد إلى مصطلحات جديدة وتأملية عالية لإنجازها.

 

ويرى عوض أن الرواية تمثل “بنت يومها” وكأنها تحمل ملامح الحالة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني في معازل منفصلة عن بعضها بفعل عوامل مختلفة.

 

الروائي منصور قال، أثناء حفل توقيع روايته، الأحد: إن “الرواية خلقت لتتجاوز التقسيمات التي خلقها الاحتلال على الأرض، وكذلك المتغيرات بفعل الانقسام؛ حيث بات الفلسطيني يعيش في معازل يفصل بينها سلك يحرص ثلاثة أطراف متناقضة حاكمة على تقديسه”.

 

واستعرض منصور الظروف التي خلقت بها روايته، قائلًا إنها “ولدت أثناء استماعه لشهادات وتجارب أسرى قطاع غزة في السجن، ما شكل في ذهنه صورًا لحالة القطاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، خاصة وأن الحصار يتغلغل بكل مناحي الحياة بها”.

 

وتحمل الرواية التي يجسد بطلها “وليد الغزاوي” في رحمها محاولات الهروب إلى الحياة واجتياز السلك الذي يمنع الإنسان منها، حياة أكثر اتساعا من ضيقها، وأقل تناقضا مما هي عليه، موحية في الوقت ذاته إلى انفجار كبير قد يأتي ولو بعد حين.

 

وتشعل الرواية الضوء على الظروف المعيشية والسياسية في قطاع غزة بما يحتويه من قصص العالم السفلي “الأنفاق” وصراع حركتي حماس وفتح بعد الانقسام، والتحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طرأت عليه، ومحاولة الهروب منه عبر اجتياز السلك إلى الأراضي المحتلة عام 1948 أو إلى الضفة الغربية من أجل العمل أو الحياة.

 

ولا يخفى على قارئ الرواية ما تحمله من تناقض كبير، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الإنسان الفلسطيني أصيب بـ”الشيزوفرينيا”، وهو ما أكده الكاتب أحمد رفيق عوض، والشاعر إيهاب بسيسو الذي أدار الجلسة.

 

وربما تُختزل الرواية بمقولة جاءت فيها: “غزة من المدن القليلة في العالم التي تبدل ثوبها بكل بساطةٍ وتلقي به إلى البعيد وتستبدلهُ إلى درجة الانسجام وكأنها ولدت به.. وبكل بساطة تنتقل من النقيض إلى النقيض.. بالأمس كانت ترتدي الجينز.. غزة اليسارية المتحررة والمفتوحة على كل احتمالات البحر.. واليوم ترتدي الخمار، واللحى الطويلة.. غزة الإسلامية والمنغلقة المغلقة إلا على الآخرة والأنفاق”.

 

وكتب أحمد رفيق عوض في تقديمه للرواية “الرواية هنا حدث آخر ككل الأحداث التي يشهدها الوطن، الذي أصبح ممزقًا ومربكًا ليس على المستوى السياسي فقط، وإنما الجغرافي أيضًا، هذه رواية تكتب بعد اتفاق أوسلو وبعد الانقسام وبعد التفكك الكبير الذي يشهده العالم العربي”.

 

صدرت رواية “السلك” عن دار منشورات “الرصيف” في رام الله ، بعد أن كتبت في سجن عوفر المركزي في شتاء 2012.

 

يشار إلى أن عصمت منصور من بلدة دير جرير شرق رام الله، تحرر من سجون الاحتلال ضمن المرحلة الأولى من الإفراج عن أسرى ما قبل أوسلو التي شملت 26 أسيرًا، من أصل 104 أسرى، وأمضى في سجون الاحتلال 20 عامًا، من أصل حكم بالسجن المؤبد لقتله مستوطناً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث