تفاؤل بأداء الاقتصاد العالمي هذا العام

تفاؤل بأداء الاقتصاد العالمي هذا العام
المصدر: إرم- (خاص)

رجح تقرير لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي أن تتمتع الاقتصادات النامية بمعدل نمو مرتفع نسبيا سنة 2014، في حين ستستمر الولايات المتحدة بالنمو الحقيقي، حيث من المتوقع أن تشهد الولايات المتحدة أسرع معدلات النمو لها منذ 10 سنوات، وذلك بفضل تراجع التقشف المالي، وسوق الإسكان النامي، و”الوضع الجيد للشركات الأمريكية، والبنوك، وميزانيات الأسر”.

ويشير التقرير إلى أن الانتعاش في قطاع الإسكان من شأنه أن يعزز النمو، فمعدل البناء الراهن لا يزال بطيئا، بحيث لا يلبي حاجة الأسر الجديدة واستبدال المنازل المتضررة أو القديمة، وإن تسارع البناء في قطاع الإسكان سيتوقف على قدرة الاحتياطي الفيدرالي على مواكبة الزيادات في معدل الفائدة بنجاح في المستقبل لتتلاءم مع سوق العمل المتحسن، إذ يعتمد التفاؤل سنة 2014 على الوضع الجيد للشركات الأمريكية والبنوك والميزانيات، حيث تمكنت الشركات من تخفيض تكاليف منتجاتها، وباتت تتمتع بهامش ربح رائع، كما غيرت البنوك هياكلها المالية وبات لديها سيولة كبيرة، وتمكنت الأسر من تقليص عبء ديونها بفضل انخفاض معدلات الفائدة. أخيرا، تبقى الثقة هي العنصر الوحيد المفقود لبناء اقتصاد أقوى، فمن الصعب معرفة ما الذي سيعزز الروح المعنوية، لكن مع تراجع حدة آلام “الكساد الكبير”، قد تزداد اليوم فرص التحسن الاقتصادي في 2014.

أما اقتصاد أوروبا فإنه سينمو بشكل بطيء للغاية، ووفق التقرير فإن أوروبا تتطور، ورأس المال بدأ في العودة، مما جعل صنّاع السياسات “سعداء”، ولكن المسؤولين يواجهون تحديا متمثلا في تعزيز معدل النمو “قبل أن تفقد الأسواق الثقة مرة أخرى في عملية الإصلاح”.

أما دول أمريكا اللاتينية التي يقول التقرير إنها تدار بشكل جيد، وتعتمد على تدفقات كبيرة من رأس المال الأجنبي، فإنها مطالبة “بضبط معدلات نموها من الاستهلاك والاستثمار والإنفاق العام”، وفيما يتعلق بالصين توقع التقرير “أن تصل إلى معدل نمو أكثر استدامة، إذا ما تعاملت مع مشكلة الديون لديها، وعملت على تعزيز الإنتاجية”.

ومن المرجح أن يعود الاقتصاد العالمي لسنة 2014 مرة أخرى إلى نمط ما بعد الأزمة، الذي يتمثل في معدل النمو المرتفع نسبيا في الاقتصادات الناشئة، مما يعني استمرار النمو الحقيقي في الولايات المتحدة، وانخفاض معدل النمو للغاية في أوروبا، كما ينمو اقتصاد الولايات المتحدة بنسبة 1.5 إلى 2% في الوقت الحالي، بفضل القطاع الخاص الذي يتميز بالمرونة، والذي يتحرك نحو تأمين الطلبات الخارجية في قطاع السلع التجارية، وتنبثق العوامل الدافعة/ المحفزة من النمو في الأسواق الناشئة (في الصين خاصة)، والطاقة منخفضة التكلفة في غاز “الأردواز”، وتقليص المديونية الواسع لدى الأسر في القطاع المالي، غير أن السحب المالي من الحكومة سيستمر، وسوف يستمر نمط نقص الاستثمارات في القطاع العام، مما سيقلل استمرار النمو لفترة أطول نسبيا.

ويقول التقرير إنه على الرغم من تمكَّن البنك المركزي الأوروبي من استعادة الاستقرار إلى أسواق الديون السيادية، وتناقص مستوى الخطر الآن إلى حد بعيد، إلا أن النمو لن يكون سهلا، فالإصلاحات التي استهدفت زيادة المرونة البنيوية وتسريع الانتقال البنيوي نحو القطاعات القابلة للتداول كانت محدودة، وهذا يعني أن عملية إعادة التوازن البنيوي في أوروبا سوف تستغرق وقتا، وسوف يكون النمو بطيئا في وما بعد 2014، أما الصين فقد أعلنت بعد الجلسة الثالثة للجنة المركزية في الحزب الشيوعي الحاكم عن برنامج إصلاحات يتسم بالقوة والمصداقية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وإذا تمكنت من تنفيذ هذا البرنامج عمليا في 2014 وما بعده، سيبدأ النمو يتحرك عندئذ على مسار ثابت جديد يتفق مع مستويات الدخل الأعلى في الاقتصاد، إذ شهدت النظم الاقتصادية الناشئة الأخرى، لاسيّما تلك التي تعاني من عجز في الحسابات الجارية، وتعتمد على رأس المال الخارجي الضعيف، حالة عدم استقرار خلال سنة 2013 نتيجة للإعلان وتدفقات رأس المال السريعة وتقلب معدل سعر الصرف، وقد تبطئها الإجراءات التصحيحية في 2014، غير أن هذه النظم ستعود لتسجل معدل نمو أعلى على المدى الطويل، ومن هذه النظم الصين بالطبع، أما الدول الإفريقية فقد كان أداؤها جيدا عموما خلال السنوات العشر الماضية وخلال أزمات الدول المتقدمة، ويبدو أن هذه الظاهرة ستستمر في 2014، ولن تعتمد بشكل مُفرط على أسعار الموارد الطبيعية والأسواق.

من الواضح أن صنّاع القرار في أوروبا سعداء بعد أن تراجع الشعور بأن هناك أزمة، وبدأت تظهر مؤشرات النمو، وبدأ رأس المال بالعودة، غير أن أوروبا لم تتجاوز الخطر بعد، فخطر عودة الأزمة أكبر مما يعتقده الكثيرون بشكل عام.

وتتحرك منطقة اليورو لتسجل نموا بنسبة 1% في العام المقبل بعد سنتين من التراجع، وسوف يؤدي الاستمرار في تقليص المديونية المصرفية وآفاق النمو العالمي غير المؤكد إلى كبح الصادرات، والتشدد في سياسات الاقتصاد الكلي، كما أن غياب إطار العمل غير الكامل للاتحاد النقدي سيشكل عقبة قوية أمام الانتعاش، غير أن المشكلة هنا هي أن النمو على هذا المستوى لن يكون كافيا لتخفيض معدلات البطالة العالية التي وصلت إلى 26% في إسبانيا و12% في منطقة اليورو ككل، وما من شك في أن بطالة الشباب، التي يصل معدلها عادة إلى 24% تقريبا في منطقة اليورو، وتتجاوز نسبة 35% في البلدان الأخرى، تمثلُ تهديدا خطيرا لمستقبل أوروبا.

وذكر التقرير أن الاتحاد المصرفي ، سيشكل صلب الجهود السياسية لدفع الاتحاد النقدي في 2014، وهنا سيلعب البنك المركزي الأوروبي دورا أساسيا في استعادة الثقة بالبنوك الأوروبية، ومن المتوقع أن تعود ضغوط السوق بسرعة إذا تبين أن الدول تخلت عن التزامها بالإصلاح، وسوف تعود الثغرات المالية عندئذ للبروز من جديد، ومن هنا يكمن التحدي في العمل لاستعادة النمو قبل أن تفقد الأسواق ثقتها بعملية الإصلاح مرة أخرى، وإذا ما فشل القادة الأوروبيون في كسب تأييد الرأي العام ستصبح سنة 2014 السنة التي تعود فيها الأزمة من جديد.

حققت دول في أمريكا اللاتينية كالبرازيل والأرجنتين – اللتين تتمتعان بقدرة تصديرية واضحة للسلع وباعتماد أقل على دورة الاقتصاد في الولايات المتحدة – ولعقد تقريبا نموا استثنائيا يصل لضعف المعدل القائم في المنطقة منذ وقت طويل، وإذا كانت سياسات ما يُعرف بـ”الاقتصاد الكلي” واسع النطاق قد لعبت دورا في ذلك؛ إلا أن ما عزز ذلك النمو إلى حد بعيد كان سهولة تدفق رأس المال الأجنبي بوفرة وأسعار السلع التي اتصفت بالارتفاع، ومن الواضح أن هذا النمو المرتفع الذي تحقق بفضل الموارد المالية الوفيرة، أدى إلى انخفاض بنسبة 13% في معدلات الفقر في أمريكا اللاتينية، وإلى بروز أولي لطبقة وسطى في المجتمع، غير أن معدلات النمو هذه ما لبثت أن بدأت بالتراجع بشكل ملحوظ في أمريكا اللاتينية منذ أواسط إلى أواخر سنة 2011، وذلك مع فقدان النمو لزخمه في الاقتصادات الناشئة المهمة، وخاصة الصين التي تراجع معدل النمو فيها عن مستوياته السابقة العالية جدا من 12 إلى 7%، كما ضعفت أسعار السلع أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث