رواية “الأحاسيس السرية المئة”.. محنة الغربة والبحث عن ملاذ الوطن البعيد

رواية “الأحاسيس السرية المئة”.. محنة الغربة والبحث عن ملاذ الوطن البعيد

شعور شجي باليتم الجغرافي والبعد الحزين عن الأشياء والأماكن المألوفة، يغلف الفضاء الروائي للكاتبة الأمريكية من أصل صيني آمي تان، والتي صدر لها أخيرًا الطبعة العربية لروايتها الاستثنائية “الأحاسيس السرية المئة”، التي نالت عنها جائزة “الكومنوولث” الذهبية.

وحصلت الرواية -أيضاً- على جائزة “أفضل الكتب مبيعًا” مع النيويورك تايمز، فور صدورها بالإنجليزية عام 1995، بعنوان أكثر بساطة “مئة حاسة سرية”، عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، ومن ترجمة الروائي الأردني الشاب عاصف الخالدي، وبعد مرور نحو ثلاثة عشر عامًا على صدور الطبعة العربية لمجموعتها القصصية الأولى الهامة “نادي البهجة والحظ “، عن دار أزمنة للنشر، ترجمة وتقديم رندة أبو بكر.

وتمتلك الروائية آمي تان، مشروعاً سردياً استثنائياً، يحضر فيه الوطن “الصين” بقوة، في محاولة لاهثة لزرعه في الذاكرة، والعيش في أحلامه وطقوسه وعاداته، ولو على الورق، وعن بعد آلاف الأميال من العين والقلب، بتسليط الضوء على الأعراق المختلفة التي تسكن بلد الديمقراطية أمريكا، الحالمين بمساواة لا تتحقق بمرور الوقت، والتسليم بغلبة الزمن على حيوات الجميع.

هذا الشعور بالغربة المستمرة والبحث عن هوية ملتبسة عند الروائية آمي تان، ربما يبرره أن حياتها الخاصة قد تكون انعكاسًا صادقًا لأعمالها الروائية وليس العكس، فأمضت تان طفولتها في 10 مدن مختلفة، في منطقة خليج سان فرانسيسكو، من أب صيني هاجر إلى أمريكا، هربًا من الحرب الأهلية الصينية وأم صينية كانت من ركاب القارب الأخير، الذي غادر بلاده عام 1949، هربًا من استيلاء الشيوعيين على السلطة.

هذه المأساة العائلية، تتكشف في روايتها “الأحاسيس السرية المئة” ويظهر هذا جليًا في الشخصيتين الرئيستين في الرواية، وهما: كوان، وأختها أوليفيا.

كوان هي الفتاة التي تم جلبها من الصين، قبل أن تبلغ الثامنة عشرة من عمرها، لتعيش مع عائلة والدها المهاجر في أمريكا، بناء على طلبه قبل موته.

وتستدعي كوان، وعبر مقارنة يومية، حياة في ذاكرتها وأحلامها، مقابل حياتها الجديدة في أمريكا، بل تتجاوز ذلك من خلال أحلامها عن حيوات سابقة عاشتها في القرن التاسع عشر، بوجه آخر، بشخصية أخرى، وتخلق عالماً موازياً، باستدعائها تلك الأحلام والأحداث، من خلال الأشباح، شخوص عاشت في القرن التاسع عشر إبان الحرب الأهلية في الصين، واحتلال بريطانيا وأمريكا لها، تجارة الأفيون والسلاح، تشجيع الاقتتال وفرض المصالح لخدمة الاستعمار، ثم المبشرون الذين يصرخون في وجوه الصينيين: إلهنا أفضل من إلهكم، وكانوا يجذبون الفقراء إلى الكنيسة، مقابل طبق أرز في نهاية قداس الأحد.

وتستخدم آمي تان، سخرية عميقة مبنية على ثقافة شاسعة، في تقديم تلك السخرية، تنتقد المجتمع الأمريكي وكذلك الصيني، أما مجموعتها القصصية الأولى “نادي البهجة والحظ”، الصادرة عام 1989، فقد احتوت على 16 قصة قصيرة متشابكة.

تعود الروائية آمي تان، في أحدث رواياتها “وادي الذهول”، وبحنين جارف إلى أرض الوطن البعيد الصين، ومن خلال سرد شجي لسيرة إحدى بائعات الهوى الصينيات في مدينة شنغهاي، أوائل القرن العشرين، وما تنطوي عليه الأحداث من تقديم خلفية اجتماعية وسياسية واقتصادية لمدينة صينية من خلال حيوات الرجال الذين قدموا لممارسة الجنس مع العشرات من أمثالها.

في رواية آمي تان “الأحاسيس السرية المئة”، كما في رواياتها الأخرى “نادي البهجة والحظ” 1989، و”زوجة رب المطبخ” 1991، و”إنقاذ السمكة من الغرق” 2005 و”زوجة مجبر العظام” 2001 ، و”وادي الذهول” 2013، تعزف تان، ربما للمرة الألف، على الحنين إلى الوطن المفقود، والذي يشكل بكل تجلياته وتاريخه، الماضي الذي لن يعود، ومحاولة التعايش مع الحاضر بتناقضاته وزيفه، باعتباره الواقع الذي يجب أن يعاش.