في “متحف العاهات”.. أنيس الرافعي يواصل مكافحة الخوف من العالم (صور)

في “متحف العاهات”.. أنيس الرافعي يواصل مكافحة الخوف من العالم (صور)
المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

كلما صدرت مجموعة قصصية جديدة، بعنوان ملتبس وغريب يصعب فهم مغزاه من الوهلة الأولى عند قراءته، ستعرف دون أن تمر عيناك على نهاية السطور أو توقيع صاحب الغلاف، أن الذي بين يديك مغلف بالغريب والعجيب، فيما يروي لك، هو بالقطع ينتمي للعالم السردي للقاص المغربي الشاب أنيس الرافعي، الذي صدر له حديثًا عن دار العين للنشر، كتاب “متحف العاهات”، للمشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ48.

حينما قرر أنيس الرافعي، المولود بمدينة الدار البيضاء عام 1976، أن يروي الحكايات على جنس القصة القصيرة، اختار لنفسه هامش الجماعة، غير المؤمن بالمؤسسة، سليلاً للأماكن المعتمة الموصدة، كما يصف هو ذاته القلق والمغامرة دومًا، لتغيير الساكن والمألوف.

ويقول الرافعي: “في القصة القصيرة، يتحول الكدح السردي إلى فن دقيق وشديد الحساسية على صعيد اللغة والمعمار والمتخيل والرؤية، يجافي الثرثرة والاستطراد المجانيين”.

ويضيف “مع القصة القصيرة يمكنني أن أزعم خبرة رتق ندوبي الداخلية، بإبرة صغيرة ذات مقدرة عالية على دفن غرز الخياطة تحت جلد الكلمات، إذ ما أجمل أن نكتب وكأننا نخيط بفسائل الحرير بطنا مبقورة لفيل ضخم”.

يضم الإصدار الحديث “متحف العاهات”، للرافعي، الطبعة الثانية لمجموعاته القصصية الأربع “مصحة الدمى، واعتقال الغابة في زجاجة، والشركة المغربية لنقل الأموات، وأريج البستان في تصاريف العميان”.

تشكل هذه الرباعية السردية، ضوءًا كاشفًا لعوالم أنيس الرافعي، ومغامراته اللامتناهية نحو تجربة سردية غير تقليدية للقصة القصيرة، يقاوم فيها الخوف من المجهول والغامض والملتبس، والخوف من اللامرئي والمحجوب والباطني، ومن أشياء العالم التي تحاصرنا لما تحوز استقلاليتها الذاتية عنا، ومن الموت والحتف والنهاية، ومن انهيار القيم الإنسانية والأخلاقية والآيديولوجية التي مسخها الزمن المعولم.

ويعتبر الكاتب أن سبيل مقاومة هذه الأنماط المختلفة من الخوف، هو اللاوعي الكامن فيما يحاول أن يبدعه من قصص قصيرة، فحسبما يقول أنيس الرافعي عن عالمه “ثمة حبل رهيف بين الحياة والموت، والكائن ما هو إلا بهلوان يمشي كل يوم فوق هذا الحبل، محاولًا المحافظة على توازنه حتى لا يهوي عميقًا في اتجاه الهاوية، في اتجاه العدم، في المسافة الفاصلة بين هذين الحدين، وبين الواقع والخيال”.

في مجموعته القصصية “الشركة المغربية لنقل الأموات”، إحدى المجوعات الأربعة التي يضمها كتابه الصادر حديثًا “متحف العاهات”، يتضمن سيناريوهات مفترضة للموت، الذي يطمح أنيس، أن تكون عليه نهايته.

ومع كل سيناريو، كان يتخطي ليلة من ليالي الطريقة الكناوية المغربية، المعروفة في الرقص والغناء ذات الإيقاعات القوية المحملة بثقل الأساطير والمعتقدات الموغلة في القدم، ومشحونة بالإرث الحضاري الأفريقي والبربري والعربي، كأنه يتملص من جسده الميت، وينسخ نفسه في جسد بديل.

وبهذه الطريقة الكاتارسيسية (التطهيرية) يحسب أنيس كما يعترف بالمجموعة ذاتها، أنه تخلص من هذه الهواجس التي لازمته طويلاً.

الرافعي، أحد مؤسسي كلّ من جماعتي “الغاضبون الجدد” و”الكوليزيوم القصصي”، خلال تسعينيات القرن الماضي، واللتين كانتا سببًا رئيسًا في بروز اسمه كقاص له بصمته الخاصة، في مجموعته المرهقة ذهنيًا “مصحة الدمى”، ذات العنوان الفرعي “فوتوغرام ــ حكائي”، إنها ليست (مصحة) بالمعنى الطبي الخالص للكلمة، بل هي بحث مصغر في العالم الغامض والسحري للدمى في مختلف المرجعيات والثقافات.

الدمى في الكتاب هي مرض متنقل أدبيًا، يتّخذ في كل مرة سمت عاهة جديدة من خلال أنداد الدمى ومشتقّاتها، فالحياة الداخلية لتلك الدمى تتسرب عبر الجدار السميك الذي يفصل بين عالم السراد وأشباحهم، وفي كل جناح من أجنحة “المصحّة”، يصبح الجدار واهياً، ويصير السراد في الجانب الآخر المرعب بمجرّد ما يستندون إليه، ويتمكن الجانب الآخر بكل ظلمته من الاندساس خلسة في دواخلهم.

أما حكايات الفوتوغرام، فقد توزعت على سبعة أجنحة هي جناح الغصص، جناح الأورام، جناح الهلاوس، جناح العاهات، جناح الشظايا، جناح الفصام، وجناح العدم.

وتم تذييل الكتاب بسجل تعريفي للصور الفوتوغرافية المصاحبة لبعض من كبار صانعي الصور الشمسية الآلية، ممن اشتغلوا على موضوعة الدمية، فالدمى، في تقدير أنيس الرافعي الشخصيّ، هي الظلال البديلة لشخص آخر قد يكون أنت، تنبثق بغتة من فرط اتساع العزلة في برية النفس، أو بالأحرى هي بئر في قعرها يستقر نفقك الجوفي البعيد، الذي تخشى أن تخرج منه دمية، هي وجيز سوانحك ومختصر ظنونك غير المدركة.

يذكر، أن القاص المغربي أنيس الرافعي، تخرج في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وتخصص في اللسانيات والنقد الأدبي الحديث، وترجمت نماذج من أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية واﻹسبانية والبرتغالية والفارسية والصينية.

كما تم اختياره كواحد من سبعة كتاب متميزين، للمشاركة في الدورة الثانية لإدارة الجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر العربية”، وﺃصدر حتى الآن عدداً من الأعمال القصصية والنصوص السردية غير المجنسة، منها: فضائح فوق كل الشبهات، أشياء تمر دون أن تحدث فعلًا، السيد ريباخا، البرشمان، علبة الباندورا، ثقل الفراشة فوق سطح الجرس، اعتقال الغابة في زجاجة، وهذا الذي سيحدث فيما مضى.

حصل الرافعي، على بضع جوائز عربية وعالمية، كان آخرها “أكيودي” الصينية عام 2014، فضلاً عن جائزة “غوتنبيرغ” الدولية للكتاب عام 2013.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث