logo
مجتمع

محمد شحرور.. ذهنية مغايرة بفهم الإسلام

محمد شحرور.. ذهنية مغايرة بفهم الإسلام
22 ديسمبر 2019، 5:22 م

منذ كتابه الأول "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة"، الذي صدر العام 1990، كشف المفكر والباحث الإسلامي السوري محمد شحرور عن ذهنية مغايرة بفهم الإسلام كادت أن تطيح بكل ما كتبه أسلافه من تفاسير وشروحات رآها "مكررة"، وهو  ما أوقعه في قلب "خصومة" طويلة مع "حراس الدين"، وقاده إلى خوض سجالات لم تنقطع حتى لحظة رحيله، السبت، في أبو ظبي، بل من المرجح أن يبقى هذا الانقسام بشأن منجز الرجل قائمًا لفترة طويلة مقبلة.

ولم يشأ شحرور، الذي وُلد في دمشق العام 1938، أن يساير "ذهنية القطيع" وأصحاب العقول "الساذجة؛ المطمئنة إلى فهمها "الناجز" للنص القرآني، بل رمى حجرًا ثقيلًا في مستنقع "الركود الإيماني"، الذي دام إلى قرون، في محاولة لتحفيز  الفكر، والتأسيس لفهم جديد للدين مختلف عن دين الفقهاء، ولا يحتاج إلى وسيط أو وصي، كالسيوطي، أو ابن كثير، يلقن المؤمن جملة من الأوامر والنواهي ويصور "الله كرجل أمن يعدّ على المؤمنين عثراتهم ويتربّص بهم، ويهوى تعذيبهم"، كما يقول شحرور في حوار سابق.

وعلى عكس "شيوخ الطهارة وطاردي الجن، والفتاوى الغريبة"، حافظ شحرور، طوال تجربته الفكرية التي استمرت لنحو نصف قرن، على إعمال العقل، والحفر عميقًا في متن النص القرآني بمنطق العصر ومعارفه المتجددة، ودعا لتفحص التراث الإسلامي  بمجهر الحداثة لا بعين القرن السابع الميلادي، ومن هنا وُصف بالمفكر "التنويري" الذي أخرج ذلك النص من ظلمات التاريخ، إلى "ضوء الواقع المعاش"، وقدم تفسيرًا جريئًا يتناسب مع متطلبات الواقع وأسئلته الراهنة.

وإزاء التمسك بهذا النهج الفكري الجديد والجريء، بدا شحرور محاربًا من وسائل الإعلام التي تمول، وغالبيتها، مؤسسات كسولة تخشى غضب الغالبية العظمى من الجمهور العربي الذي وجد في "الدعاة السذج" متنفسًا يجمل له اليقين والاطمئنان، على عكس شحرور الذي سعى إلى خلخلة المسلمات، بآراء وتفاسير لم تكن مألوفة، ولذلك لم يلقَ قبولًا لدى تلك المنابر الإعلامية.

ومنذ نكسة 1967، التي هزت الوجدان والضمائر، وجد شحرور أن الدوران في فلك المسلَّمات لن ينتج أي ثمار، فأراد البحث عن مواطن الخلل في العقل العربي، إذ رمى عبء التراث عن كاهله، وغادر سرب "المقلدين"، ليصبح أحد أبرز المجددين في الفكر الإسلامي، عبر كتب ومؤلفات وأبحاث وحوارات لا تحصى، قادته إلى التكريمات، والفور بعدة جوائز، لعل أبرزها جائزة الشيخ زايد التي كرمت مشروعه الفكري، المنسجم مع روح الحداثة ومتطلباتها.

وطبقًا لقناعته أنه لا مقدس إلا الله، ولا أحد معصوم عن الخطأ، باستثناء عصمة الرسول في بلاغ الرسالة، فقد وجه شحرور  سهام نقده إلى "رموز التراث والفقه"، مثل: الشافعي، والبخاري، ومسلم، وغيرهم، موضحًا أنه ينتقد "الصنمية" فيهم، وأن المشكلة الأكبر ليس في هؤلاء الرموز، بل في أولئك الذين وقف عند فكرهم عشرات القرون.

وجهر شحرور، الذي درس الهندسة المدنية، بنظريات ورؤى جريئة هدمت الثوابت، وشيدت معمارًا معرفيًا موازيًا، إذ رأى أن العقل العربي إذا كان ليس مهيأً بعد لتقبل أن هذه النماذج أصبحت منذ زمن خارج نطاق الخدمة، فليبق داخل قوقعته ولايستغرب وضعه المزري" .

مشددًا على قراءة القرآن وفق الأرضية المعرفية لكل عصر، وعلى من يأتي بعد 50 عامًا ألاّ يتوقف عند قراءته بل أن يتقدم إلى الأمام، و"إلا فإني أعتبر أن منهجي لم يؤتِ ثماره"، كما يقول.

ومن اللافت أن يقول مفكر إسلامي مثل شحرور، إن "الفلسفة أمّ العلوم، والإسلام غير مناقض لها، على العكس فإن التنزيل الحكيم يجيب عن الأسئلة الرئيسة فيها، كالوجود الموضوعي، ونظرية المعرفة الإنسانية، لكن الموروث الإسلامي -للأسف- صدّر ابن رشد إلى أوروبا، واحتفظ لنا بالغزالي صاحب"من تمنطق، تزندق"، وتحول العقل الجمعي العربي معه إلى عقل ساذج، وبدأ رحلته مع السبات الطويل.

ورغم أن شحرور نشأ في بيئة دمشقية محافظة، غير أنه تمرد على ثوابت تلك البيئة، وشق لنفسه مسارًا آخر بعيدًا عن مرقد الإمام المتصوف محي الدين ابن عربي، القريب من منزل عائلته في حي الصالحية بدمشق، إذ عبر عن رفضه لفكرة "المعرفة الإشراقية الإلهامية، فالشطحات الصوفية فيها من الوهم ما يجعل الإنسان بعيدًا عن كل ما يقبله العقل والعلم، والصوفية هي انسحاب ذاتي من المجتمع، وعدم مواجهة الواقع"، بحسب رأيه.

ويعتبر شحرور السنة النبوية اجتهادًا مبنيًا على الظروف الزمانية والمكانية التي عاش فيها النّبيّ، وليست تشريعًا إلهيًا ثابتًا، بالتالي فإنّ ما فعله النّبيّ ليس حكمًا ملزمًا كما هو الحال بالنسبة للتراثيين، ويعتبر هذه المسألة جوهرية لإخراج الفقه الإسلامي من حالة الجمود والرجعية التي يعيش فيها، ذلك أن أولئك التقليديين والتراثيين يرون أنّ هذه الأحكام التي اتُّخِذت في القرن السابع في منطقة الجزيرة العربية صالحة لكل زمان ومكان، وأنّ المساس بها مساس بالإسلام وخروجٌ عنه، وهو ما يعارضه شحرور.

وفيما يتعلق بالحدود المذكورة في القرآن مثل قطع يد السارق، وقتل القاتل، فإنه يسميها حدودًا عُليا، بمعنى أنه من الممكن الاستغناء عنها وسنّ أحكام أخرى تتوافق مع تغيّر الظروف، والعقل الإنساني، والأعراف العالمية، عن طريق عرضها على التصويت.

وعلى ضوء هذا الاختزال المكثف لتجربة شحرور الفكرية، والتي لا يمكن بأي حال الإحاطة بها، فإن هذا المفكر ركز في مشروعه على مشكلة جوهرية تواجه الفكر الإسلامي التقليدي، ألا وهي القصور عن مخاطبة العالم على أساس تصالحي وتعددي، ساعيًا إلى جعل الخطاب الإسلامي خطابًا عالميًا يتسع لغير المسلمين، فالإسلام في رأيه، ليس مجرد جملة من الأوامر والنواهي والتخويف والتهديد، وإنما هو خطاب وسطي منفتح، لكن شريطة أن يتم تفسيره بعقل منفتح ومتسامح ومتنور.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة ©️ 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC