من خلال الـ GPS.. العالم تحكمه همسة من الفضاء

من خلال الـ GPS.. العالم تحكمه همسة من الفضاء

المصدر: أماني زهران - إرم نيوز

لننس الإنترنت، لأن التكنولوجيا الحقيقية التي تشكل المجتمع هي نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، فنظام الأقمار الصناعية أصبح أمرًا حيويًا للتمويل، والنقل، والهندسة وحتى الطعام على موائدنا، وفقًا لما كتبه جريج ميلنر في مقال بمجلة (ذي تايمز) البريطانية.

يقول ميلنر: ”بدأ نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) كمشروع عسكري، لكنه أصبح اليوم نظام التنقل الشامل في العالم، وتنتشر مخالبه في كل مكان، ما يقرب من 3 مليارات تطبيق على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية في العالم، تستخدم نوعًا من المعلومات المشتقة لنظام تحديد المواقع GPS، ومن المتوقع أنه وصل اعتبارًا من الآن وحتى العام 2019 أكثر من ضعف هذا العدد“.

كما أصبحت تقنية تحديد المواقع أساسًا في دراسة الاقتصاد الدولي، فقد قدرت قيمة السوق لتحديد المواقع العالمية بنحو 9.1 مليار دولار في العام 2011، وهذا ما قد تضاعف ثلاث مرات الآن.

كيف يعمل الـGPS

أي شخص يشغل الخدمة على الهاتف المحمول في نيويورك، أو لندن أو طوكيو، كراتشي، نيروبي، باريس، برلين، كابول، ساو باولو، فانكوفر، سيدني، بودابست أو جوهانسبرغ، يقوم بالعملية نفسها، وفي كل بقعة على وجه الأرض هناك خط الأفق لأربعة أقمار صناعية على الأقل لتحديد المواقع في جميع الأوقات.

ويقوم جهاز استقبال GPS في الهاتف بالبحث عن أقوى أربع إشارات. إذ يشير إلى أصل كل إشارة ووقت وصولها، ويمكن للمتلقي حساب خطوط الطول والعرض للهاتف، وتوضيحها كنقطة على الخريطة، ويمكن للمتلقي أيضًا توفير الوقت الصحيح، أربعة أقمار صناعية، أربعة أبعاد، عملية حسابية بالغة الدقة من المكان والزمان.

بدأ هذا النظام الاستثنائي كتطبيق عسكري أمريكي، كوسيلة لتحسين دقة القنابل والحفاظ على آمان الطيارين، وشأنه شأن الإنترنت، نشأ الـ GPS جزئيًا من ضرورات الحرب الباردة، على الرغم من أنه أقل وضوحًا، فالتأثير العالمي لتحديد المواقع على العالم يساوي أو يفوق الإنترنت، (الإنترنت لا يمكن أن يعمل دون توقيت الدقة التي تسيطر عليهاGPS).

هذا يبدو غريبًا، لأنه في حين أن الإنترنت تشكل قاعدة بيانات واسعة، ووسيلة لتجميع وتبادل المعلومات، فإن نظام تحديد المواقع هو مجرد نبض للراديو، فهو سليل صورة على الشاشة الإيقاعية التي تنبعث من سبوتنيك، ولكن هذه الهمسات يمكن بجدية الاعتماد عليها، فهي نظيفة ومرتبة جدًا، ونظام تحديد المواقع هذا أصبح القلب النابض لدينا، وإذا فشل غدًا، فإن مجتمعنا سيعاني اضطرابات هائلة ونكسات علمية.

استعمالاته

إجمالي عدد أجهزة الاستقبال عبر جميع المنصات التكنولوجية ربما تصل إلى ما يقرب من 5 مليارات، إذ نستخدم نظام تحديد المواقع لتعقب تحركات المشتبه فيهم جنائيًا، مرتكبي الجرائم الجنسية، والحيوانات البرية، والذين يعانون من الخرف والأطفال الضالين.

ويوجه GPS الطائرات على الأرض ويوجه السفن في عرض البحر. بالإضافة إلى أننا نرتدي الساعات التي تمتلك نظام تحديد المواقع.

ونشتري تطبيقات نظام تحديد المواقع الرياضية المتخصصة للجولف وصيد الأسماك. ونستخدم GPS لتحديد مكامن النفط. وساعد نظام تحديد المواقع لزراعة كمية كبيرة من الطعام الذي نأكله اليوم.

نظام تحديد المواقع، يعد واحدًا من أدق ساعات العالم – وأيضًا هو الساعة التي توحد الساعات الأخرى، وتتطلب مكونات الأنظمة المعقدة في العالم مزامنة الوقت، وغالبًا ما ترتبط بوقت GPS لتحديد المواقع، وضبط الوقت يساعد على تنظيم الشبكة الكهربائية في تعقيداتها العابرة للحدود، والطلبات بالمليارات التي تتم عبر المعاملات من خلال الشبكات التجارية المالية، إذ إن الاختلافات في الجزء من الثانية يمكن أن تؤثر على المليارات من الدولارات.

يساعد GPS على التنبؤ بالطقس، ويسمح ببناء الجسور والأنفاق تحت الأرض، وقد أدى هذا الاختراع إلى طفرة في الإبداع في مجالات العلوم والتكنولوجيا والأعمال، وسواء كانت التطورات للأفضل أو للأسوأ، إلا أنها تشكل جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للحياة الحديثة.

المحطة الرئيسة للنظام

المقر الرئيس للـ GPS هو قاعدة سلاح الجو شرايفر، التي تختفي في الأفق لنصف ساعة من ولاية كولورادو سبرينجز، بالقرب من الطرف الغربي من السهول الشرقية الولايات المتحدة.

ويحتوي المقر على واحد من أكبر تجمعات المناطق السرية في الخدمة. ”ما نقوم به هنا هو الفضاء“، ويقول بريان ستيوارت، وهو ملازم شاب: ”نحن جيدون في ذلك“، ويضيف، ”سترى لماذا“.

في شرايفر يقومون بعملهم في غرفة بلا نوافذ في نهاية سلسلة من الممرات المضاءة بالفلورسنت، حراسة وأبواب المحمية بكروت المرور التي تبلغ أجهزة الإنذار إذا ترك الباب مفتوحا لفترة طويلة، وعلامات تجيز استخدام القوة المميتة، وفي الداخل، اثني عشر شخصًا، يعملون في نوبات أو دوام لمدة 12 ساعة، يصطفون في صفوف متدرجة، ويحدقون في الشاشات. الشرطة العسكرية لم تكن بعيدة.

هذا الفضاء المتواضع هو محطة التحكم الرئيسة لنظام تحديد المواقع العالمي، بدونها كنا حرفيًا نضيع، طواقم هنا تراقب بشكل مشدد لفيف من 31 من الأقمار الصناعية لـGPS، التي تدور حول أكثر من 12 ألف كيلومتر فوق كوكب الأرض، فليس هناك مجال للخطأ.

بعض الأشخاص هنا يراقبون الساعات الذرية النشطة على متن كل الأقمار الصناعية لتحديد المواقع، والتي يتم مزامنتها ضمن نانو ثانية إلى الساعات على كل القنوات الفضائية الأخرى، وكلها تتبع الساعة الرئيسة في مرصد البحرية الأمريكية في واشنطن.

كما أن بث الأقمار الصناعية يمثل إشارة لاسلكية مستمرة وتحمل معلومات حول مكان الأقمار الصناعية وأين تكون، وأيضًا إشارة في الوقت المحدد لمغادرة الأقمار الصناعية.

فالإشارة تعلم رحلة 12 ألف ميل، ثم تأخذ في التهاوي بعد دفعها من خلال الغلاف الجوي المتبأين للأرض. فعندما يصل إلينا، بعد 67 ميلا في الثانية، يكون أقل خفوتًا. ويطلق الكابتن ستيفن ديركس، المشرف على هذا التحول، عليه ”الهمس من الفضاء“.

ولابد لأولئك الذين يشرفون على نظام تحديد المواقع، أن يكونوا على درجة محافظة ودقة لا يمكن تصورها، فالشيء الدقيق مثل الضغط من أشعة الشمس يمكن أن يحول مدار قمر صناعي، فلا يمكن أن تتعثر الساعات، فسلامة النظام بأكمله تعتمد على قياس المسافة بينك وبين القمر الصناعي عن طريق توقيت وصول نبضها، وتلك الإشارات تسافر بسرعة الضوء نفسها.

التكنولوجيا تبهرنا بمعجزاتها، ولكنّ هناك ثمنا، فالنظام قد تغير جذريًا لنا كبشر، فنحن نعتمد بذلك على نظام تحديد المواقع، ودمجها بشكل عميق في حياتنا، حتى أنها يمكن أن تغير في طبيعة الإدراك البشري، وربما حتى إعادة ترتيب المادة الرمادية في رؤوسنا. وهذا الغزو المحتمل يحمل في طياته أخطار، إذ يجبرنا على إعادة النظر في المفاهيم المتعلقة بالخصوصية لدينا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة