لا تخف.. الهواتف الذكية لن تجعل أبناءك أغبياء

لا تخف.. الهواتف الذكية لن تجعل أبناءك أغبياء

المصدر: إرم نيوز - حنين الوعري

مضت ستة أعوام على إطلاق جهاز آي باد، ومعه إعادة ولادة الحواسيب اللوحية“تابلت“ لم تتمكن الدراسات الأكاديمية من اللحاق بركب هذه التكنولوجيا، مما يعني أنه يصعب معرفة التأثيرات بعيدة المدى لاستخدام الأطفال لهذه الهواتف والحواسيب اللوحية.

يشعر بعض الباحثين بالقلق إزاء هذه الأجهزة التي إن استخدمت بطرق معينة قد تؤدي إلى تغيير أدمغة أبنائنا لما هو أسوأ، فمن الممكن أن تؤثرعلى انتباههم، وتحكمهم في الحركة، ومهاراتهم اللغوية والإبصار، وتحديداً الأطفال دون سن الخامسة الذين تمر أدمغتهم بتطورات كبيرة في هذا السن.

وتعمل شركات التكنولوجيا ومطوري التطبيقات الهاتفية على جذب انتباه المستخدمين من خلال استخدام كلمات مثل ”تعليمي“ و“تعلم إلكتروني“ على منتجاتهم، وعادة دون الاستناد إلى أي أدلة علمية. 

لذلك، ما الذي يتوجب على الأهل القيام به؟

في عام 2011، بعد عام من إطلاق جهاز الآي باد، وجد أن 10% فقط من الأطفال الأمريكيين تحت عمر السنتين يستخدمون الحواسيب اللوحية ”التابلت“. لكن بحلول عام 2013، زادت تلك النسبة بمقدار أربعة أضعاف. وأظهرت دراسة فرنسية أجريت في عام 2015 أن 58% من الأطفال تحت عمر السنتين استخدموا تابلت أو جهاز خلوي.

عواقب استخدام هذه التقنيات لمدة طويلة غير واضحة. وأخطأت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال من ناحية تضخيم الأخطار، فأوصت بمنع الأطفال من قضاء أي وقت وراء الشاشات إن كانت أعمارهم أقل من عامين، وبقضاء ساعتين على الأكثر على الشاشات للأطفال الأكبر سناً. لكن هذه القيود لا تتوافق مع عدد الأشخاص الذين يدمجون هذه الأجهزة في حياة أبنائهم، وكذلك لا تعكس الحقيقة بأن بعض التفاعلات مع الشاشات قد تكون مفيدة.

يقول مايكل ريتش، أستاذ مشارك في طب الأطفال من جامعة هارفرد وعضو في الجمعية الأمريكية لطب الأطفال: ”إذا كان ابنك عمره أقل من عامين وتعرض للشاشات، فلن يكون لذلك تأثيراً ساماً على دماغه، لن يتحول إلى أحمق. لكن توجد سلبيات محتملة.. ويتوجب على الأهل القيام بالموازنة بين الأضرار والمنافع.“.

وتقوم الجمعية الأمريكية لطب الأطفال الآن بمراجعة مبادئها التوجيهية وستقوم بنشر مبادئها المحدثة في أواخر عام 2016.

أضرار استخدام الشاشات

إبقاء التلفاز أو فيديو مشغلاً عند قيام الطفل بأنشطة أخرى من شأنه إلهائه عن اللعب أو التعلم، مما يؤثر سلباً على نموه وتطوره. ووجد أن إبقاء التلفاز مشغلاً لساعات طويلة يؤثر في تواصل الطفل وتفاعله مع والديه، الذي يؤثر سلباً على تطور اللغة عند لطفل. هذا التغير يعد مصدراً كبيراً للقلق، إذا ترك الأطفال مع الشاشات ليجالسوهم فإن ذلك يعني أنهم لا يتفاعلون مع من يرعونهم ومع العالم المحسوس. يوجد عدد محدد من الساعات في اليوم الواحد، والوقت الذي يقضى أمام الشاشات يأتي على حساب أنشطة الأخرى، ربما تكون أكثر نفعاً.

إلى ذلك، فإن الدراسات المقارنة خرجت إلى تحديد العلاقة بين شاشة التلفاز غير المتفاعلة القديمة والأطفال إلا أنها حتى اللحظة لم تحدد كيف تؤثر الشاشات التفاعلية باللمس على قدرات الأطفال الإدراكية.

فالأطفال تحت عمر الثالثة بالتحديد يحتاجون للقيام بخليط من الأنشطة، من ضمنها اللعب تحت الإشراف، واستكشاف البيئة من حولهم، واللعب بالألعاب المحسوسة والتواصل الاجتماعي مع غيرهم من الأطفال والكبار. لكن انتشار استخدام الشاشات يعني تقليل الوقت الذي يقضى في القيام بجميع الأنشطة السابقة.

لكن المشكلة هي أن الحواسيب اللوحية تجذب الأطفال والكبار على حد سواء، والفضل في ذلك يعود لتصميمها، وتنوعها، وبرامجها سهلة الاستخدام، فتعد الحواسيب اللوحية ”تابلت“ هي الوسيلة الأمثل ليقوم الأطفال بالرسم وحل الألغاز وليشعر بالترفيه أثناء التنقل.

ويتم تصميم العديد من التطبيقات لتكون المنبهات دافعاً لها، مع مكافآت صوتية وبصرية لإنهاء المهمات. يشير ديميتري كريستاكيس، مدير مركز صحة الطفل في أمريكا إلى أنها ردة فعل للإحساس بالإنجاز، والذي يحفز مسار الشعور بالإنجاز في الدماغ. فيقول: “ شعور الطفل بالفرح بسبب لمس الشاشة وجعل أمور تحدث نتيجة لذلك هو تثقيفي ومن الممكن أن يكون مدمناً“.

يقول كريستاكيس، بأنه هو والعديدون غيره بدأوا يرون المزيد من الأشخاص الأصغر سناً يستخدمون هذه الأجهزة بهوس. يقول: “ نحن نعلم بوجود استخدام للانترنت بشكل مفرط عند الأطفال وحتى البالغين، ومن المنطقي أن يحدث ذات الأمر مع الرضع“. ويشير إلى أنه يجري بحثاً لمعرفة المزيد حول ذلك.

في مركز سياتل لأبحاث الدماغ التكاملية، تجرى دراسة على الفئران لفهم أثر تعرض الفئران للشاشات. وتنطبق نواتج النظرية المدروسة على الفئران على الأطفال، وكانت كالتالي:

حيث وجدوا أن تحفيزهم المفرط باستخدام وسائل الإعلام، وتحديداً في عصر الحواسيب اللوحية ذات البث اللانهائي، والفيديوهات صعبة التحكم بكميتها، والألعاب التفاعلية، قد يسبب اختلالاً في جزء من قشرة الدماغ تسمى العقد القاعدية.

وهذا الجزء يسمح لنا الاهتمام بالمهمات الحرجة وتجاهل الملهيات. هذا التحفيز الزائد عن الحاجة قد يؤدي إلى مشاكل في الحياة في وقت لاحق، بالتحديد فيما يتعلق بالتركيز والذاكرة والاندفاع.

ويقول عالم الأعصاب نينو راميريز شريك كريستاكي في الدراسة “ يبدو أنه من الممكن تحفيز أدمغة صغار السن بشكل مفرط بحيث لا تعود الأنشطة الحياتية اليومية تثير اهتمامهم.“

وانتقدت الدراسة كثيراً بسبب طول فترة تعريض الفئران للشاشات وبسبب عدم بث أي محتوى محدد على الشاشات، لكن إن كان التطور الإدراكي يتأثر بالتعرض لوسائل الإعلام، فإن هذا النوع من الأبحاث يمكن أن يحدد طبيعة التفاعلات مع الشاشة التي نسمح بها لأطفالنا. لكن هل يجب على الأهالي الشعور بالقلق؟

يقول كريستاكيس: “ يجب أن يكونوا متيقظين وحذرين من مقدار الوقت وطبيعة المحتوى الذي يسمحون لأطفالهم التعرض له.“ 

وبالرغم من صعوبة إجراء تجارب مضبوطة مع الرضع، لكن يمكن مراقبة ما يحدث مع الأطفال “ في حياتهم الطبيعية“. وانطلاقاً من ذلك، يمكن إيجاد روابط بين عاداتهم والأجهزة المحمولة.

فيما تخشى ماريا لوي، رئيسة عيادة مكافحة قصر النظر من كلية بيركلي لعلم البصريات من جامعة كاليفورنيا، من أن يكون تعريض الرضع للحواسيب اللوحية والهواتف من مسافة قريبة يؤدي إلى احتمالية إصابتهم بقصر النظر، وتشير إلى أنه نظراً لأن مقل أعين الأطفال تكون في بداية مراحلهم التطورية بعد الولادة مرنة وقابلة للتكيف، قد تستطيل أعينهم مسببة حالة قصر النظر التي لاحظت ازديادها بشكل كبير بين الصغار في الوقت الحالي. وتنصح لوي بإعطاء العين فترة راحة بعد فترات طويلة من التعرض عن قرب للشاشات.

ووجد الباحثون أيضاً أن تعرض الأطفال للشاشات يسبب لهم الأرق ومشاكل في النوم.

أما فيما يتعلق بتأثير الشاشات على اللغة والنمو الحركي، يفترض تيم سميث، المختص في العلوم الإدراكية الذي يرأس مركز بيبي لاب، وجود نوع من التغير.

فيقول “ من الممكن أن تستخدم التكنولوجيا كمربية بديلة عن التعلم وجهاً لوجه. الأطفال دوماً يتعلمون أفضل عن طريق التفاعل مع الأشخاص، لكننا لا نملك دوماً الكثير من الوقت. الأجهزة أمثال ”آي باد“ قد تمنح الكثير من التحفيز للطفل لكنها تفتقر لردود الأفعال الحقيقية الدقيقة التي تساعد في تطوير اللغة“. وعلى نحو مشابه، قد تجعل الحواسيب اللوحية والهواتف الأطفال بارعين في الحركة الدقيقة بعد كل النقر والتمرير السريع، لكنهم قد يصبحون مندفعين بشكل أقل نحو الوقوف واستكشاف العالم من حولهم.

الشاشات مصدر تعليمي؟

لكن ماذا بالنسبة لقدرة الأجهزة على التعليم والتثقيف؟ توجد آلاف التطبيقات والكتب الإلكترونية والفيديوهات التي تدعي أنها تضيف قسمة تعليمية للطفل، لكن القليل فقط منهم تمكنوا من دعم هذه الإدعاءات بأبحاث علمية.

وبشكل غير مقصود، تؤدي بعض ”الإضافات“ التفاعلية على القصص، مثل الصور المتحركة والأصوات وبعض الميزات التي تتيح للطفل النقر المزدوج أو تمرير إصبعه على الشاشة، إلى تقليل القيمة التعليمية الإجمالية. فبالرغم من أن الإضافات قد تبدو وكأنها تحفز مشاركة الطفل،إلا أنها تلهيهم عن المحتوى التعليمي.

بغض النظر عن مشاعرنا تجاه الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية، هذه الأجهزة هنا لتبقى. لذلك، كيف نحصل على أقصى استفادة منها؟ فضلاً لأكثر من 100 عام من الأبحاث حول كيفية تعلم الأطفال، أصبح بإمكاننا القيام ببعض التخمينات المدروسة حول ما هي التفاعلات وفي أي ظروف بالتحديد، تكون الأفضل.

تستطيع الأجهزة أمثال الهواتف الذكية والأجهزة الحاسوبية ترك أكبر أثر في الأسر ذات الدخل المنخفض. ففي هذه الأسر، يكون الأشخاص أقل قدرة على الوصول للمصادر التنموية، مثل دروس تعليم الموسيقى، أو دروس خصوصية، أو مجرد ساعات إضافية من التواصل الاجتماعي، وبالتالي يقضون وقتاً أطول على وسائل الإعلام الرقمية. وإذا كان المحتوى ذو جودة عالية، عندها يمكن أن يكون للهواتف الذكية تأثيراً كبيراً.

فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة من جامعة ستانفورد الأمريكية أنه بعمر 18 شهراً، يكون الأطفال من العائلات المحرومة متأخرين في إتقان اللغة بعدة أشهر عن أقرانهم الأكثر حظاً. لكن بتوفير المحتوى والإطار المناسب، باستطاعة الأجهزة الرقمية تقليل الفرق.

لذلك، بدلاً من حظر الأجهزة، علينا المطالبة بتوفير تطبيقات أفضل مبنية على دراسات مثبتة علمياً. فبالنسبة للأطفال بين عمر الثالثة والخامسة، يستطيع تطبيق مصمم بشكل جيد تحسين المهارات اللغوية والرياضية الأساسية له. تقول ليسا، أم لولدين بعمر 4 و6 سنوات كانوا يستخدمون التكنولوجيا على الهواتف الخلوية منذ أن كانوا يبلغون من العمر 18 شهراً أن “ ابني الأصغر تأخر في النطق، والفيديوهات التي شاهدها ساعدته بالتأكيد على تعلم كلمات جديدة“.

أغلب أطباء الأطفال، والمختصين في تعليم وتنمية الطفل يتفقون أنه بالنسبة للأطفال الذين أعمارهم أقل من 30 شهر، لا يوجد بديل عن التفاعل البشري.لذلك، لم لا تطور تطبيقات تعمل كوسيط بين الطفل وراعيه؟ تطبيق ”بيد تايم ماث“ هو مثال على ذلك. حيث يوفر التطبيق قصص حسابية تشاركية للآباء وابنائهم. وهي إحدى الأدوات القليلة التي تبين أنها تساعد في جعل الأطفال أذكى، حين طور الأطفال الذين استخدموا التطبيق حتى لو لمرة واحدة في الأسبوع ، مهاراتهم حسابية بشكل أكبر مما طوره مجموعة ملتزمة بدروس نظامية. كان تأثير التطبيق قوياً على الأطفال الذين كان أهاليهم قلقين من الرياضيات.

إحدى المناهج التي تبين أنها تساعد الأطفال الأصغر من 30 شهر على التعلم بشكل أفضل كان من خلال بناء أدوات تستخدم ”تقنيات الضغط“ الموجهة للآباء. قد تكون هذه التقنيات على هيئة رسالة نصية أو إيميل يذكر الأهل بالغناء أو التحدث مع طفلهم، من أجل مساعدة كل من الأهل والطفل على التخلص من الارتباط بالتكنولوجيا وتطبيق ما تم تعلمه على العالم الحقيقي.

وبالرغم من أننا لا زلنا في المراحل الأساسية قبل فهم التأثير الذي تملكه الهواتف الذكية والحواسيب على الأطفال الصغار، إلا أن النصيحة الجوهرية الموجهة للآباء هو التأكد من أن استخدام الجهاز هو مجرد جزء من الروتين المليء بالأنشطة، وتحديداً للأطفال دون سن 3 أعوام، الذين يجدون صعوبة في التعلم من الشاشات.

ينبغي تفضيل تجربة شاشات اللمس التفاعلية عن أنشطة غير مفيدة أمثال الجلوس لمشاهدة التلفاز. كما ينبغي على الآباء التشكيك في إدعاءات مطوري تطبيقات الهاتف للأطفال بأن تطبيقاتهم تعليمية.

وأينما كان ممكناً، يجب أن يستخدم الجهاز كأداة لتعزيز التفاعل مع الطفل، سواء كنقطة انطلاق للمحادثة مثل أن يسأل الأهل، ما الذي تفعله البقرة هناك؟ أو ما هو الصوت الذي تصدره البطة؟، أو كطريقة لإلهام بدء محادثات تعليميةتمتد لباقي اليوم، كما يحدث في تطبيق ”بيد تايم ماث“.

من جانبه يعتقد عالم النفس التطوري إد ترونيك أن المخاوف المتعلقة باستخدام الأطفال للشاشات نابع من ”الأيديولوجية القمعية التي تطالب الأهل بالتفاعل الدائم مع أطفالهم.“

ويشير ترونيك أن كون الطفل لا يتعلم شيئاً من الشاشة لا يعني أن لا قيمة لها، بالتحديد إن كان ذلك يمنح الأهل بعض الوقت للاستحمام، أو القيام ببعض الأعمال المنزلية، أو ببساطة أخذ قسط من الراحة من مهمة الاعتناء بالطفل.

فباستطاعة الأهل الاستفادة كثيراً من استخدام أجهزتهم للتحدث إلى صديق أو القيام ببعض الأعمال. هذا يجعلهم سعداء أكثر وبالتالي، يكونون متاحين بشكل أكبر للتفاعل مع ابنهم في باقي الوقت.

تقول جيني راديسكي، أستاذة مساعدة في طب الأطفال في جامعة ميشيغان: “ كأم أقوم بترك ابني الذي عمره 18 شهراً يشاهد فيديو لشعر أطفال، هو أمر لطيف وهادئ ويمنحني بعض الوقت لأقوم بغسل الصحون أو القيام بأي أمر يجدد نشاطي. تلك فائدة بالتأكيد، لكن يجب على الأهل أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. فالفيديو لا يعلم ابني الذي يبلغ من العمر 18 شهراً. هو استراحة لي كوالدة.“

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com