إيران تسعى للسيطرة على الفضاء الإلكتروني من خلال "الإنترنت الحلال"

إيران تسعى للسيطرة على الفضاء الإلك...

أنشأت إيران نسخة محلية للشبكة أطلقت عليها "الإنترنت الحلال" تهدف لتقييد ما يستطيع الجمهور مشاهدته

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

شن 20 عميلًا من المخابرات الإيرانية مداهمة في تموز/ يوليو 2014، لشقة مراسل صحيفة واشنطن بوست في طهران ”جيسون رضائيان“ وهددوا بقتله أمام زوجته الصحافية ”يغانة صالح“ وفتشوا أدراج منزلهم وملابسهم وأغراضهم الثمينة لمدة ساعة.

غير أن أغلى مقتنياتهم لم يكن في الحقيقة داخل المنزل؛ حيث أُجبر الزوجان على تسليم كلمات المرور لبريدهما الإلكتروني وصفحاتهما على وسائل التواصل الاجتماعي.

المداهمة المذكورة سلطت الضوء على مدى شعور السلطات الدينية الإيرانية بالتهديد من الإنترنت، وقد دأبت منذ فترة طويلة على فرض رقابة صارمة على الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن ثم تدفق المعلومات إلى الجمهور.

الهواتف الذكية والاحتجاجات

ولكن علاقة إيران بالشبكة العالمية أكثر تعقيدًا من القمع البسيط، فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، شجعت السلطات على توسيع نطاق استخدام الإنترنت بين الإيرانيين، على أمل تحقيق فوائد اقتصادية أكثر حداثة. ونتيجة لذلك، أصبح ما يقرب من نصف السكان يملكون في جيوبهم أداة تكافح الدولة لتقييدها، وهي الهواتف الذكية التي تحمل كاميرات وروابط الإنترنت التي تسمح لأي شخص بالبث إلى العالم.

وساعدت الهواتف الذكية في الانتشار السريع للاحتجاجات في جميع أنحاء إيران التي كانت فاتحة لعام 2018. ونجحت الحكومة في خنق موجة الاحتجاجات المندلعة جزئيًا من خلال إغلاق أبرز وسائل التواصل الاجتماعية وتطبيقات الرسائل، ولكن الدرس كان واضحًا بأن نفس طوق النجاة الذي استخدم لإنعاش التجارة يمكن أيضًا أن يشعل ثورة.

الشبكة الحلال

كان الحل الذي لجأت إليه السلطات الإيرانية هو إنشاء ما أطلق عليه اسم “ الشبكة الحلال“ وهي نسخة إيران الوحيدة المسيطر عليها محليًا للإنترنت وتهدف لتقييد ما يستطيع الجمهور مشاهدته.

وبينما تقترب إيران من الذكرى الأربعين للثورة التي جلبت حكم قيادة رجال الدين للسلطة، ستكون استجابتها لقوة الفضاء الإلكتروني حاسمة لمستقبلها ومحددًا ما إذا كانت ستتحرك نحو المزيد من الانفتاح أو عزل نفسها عن العالم.

وتشير الباحثة المختصة في الشؤون الإيرانية من معهد تشاذام هاوس، سنام فاكيل، إلى أن ”إيران ليست سوداء أو بيضاء. بل تظهر عددًا لا يحصى من التناقضات، وباعتقادي فإن سياستها تجاه الإنترنت هي إحدى الأمثلة على تلك التناقضات. استخدمت الحكومة الإنترنت وطوعته لأغراضها الخاصة وأدركت أيضًا مخاطره“.

إيران تتحكم بجميع وسائل الإعلام

ومنذ الثورة الإيرانية في عام 1979، تم التحكم الشديد بجميع وسائل الإعلام التي تسمح بانتشار المعلومات؛ إذ إن جميع أشكال البث التلفزيوني والإذاعي داخل إيران آتٍ من محطات تديرها الدولة، ولا تزال أطباق الأقمار الصناعية غير قانونية- ظاهريًا- رغم أنها وفيرة، وتجذب بذلك هجمات من حين لآخر من منفذي الحكومة الذين يستخدمون القوة.

ويواجه الصحافيون قيودًا على ما يمكنهم تغطيته وأين يستطيعون التنقل عبر البلد البالغ عدد سكانه 80 مليون نسمة.

فيما ساعد الإنترنت على هدم تلك المسافة، وخلال احتجاجات إيران في عام 2009 والتي كانت تدور حول إعادة انتخاب الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد المتنازع عليه، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي الوليدة بنشر خبر وقوع الأحداث بين الإيرانيين وأدت لمشاركة مقاطع فيديو مقتل ندا آغا سلطان البالغة من العمر 26 عامًا بطلق ناري.

 وحتى قبل احتجاجات عام 2009، منعت إيران قدرة وصول شعبها إلى موقع يوتيوب، وألحق كلٌ من تويتر وفيسبوك في هذا الحظر في أعقاب الاضطرابات، لكن بدأ بعض الإيرانيين باستخدام شبكات خاصة افتراضية ”VPNs“ تسمح للمستخدمين بتجاوز الرقابة الحكومية.

9 سنوات ونمو هائل

يبرز الفرق الرئيس بين احتجاجات العام 2009 والاحتجاجات التي هزت إيران منذ مطلع عام 2018 في الانتشار الواسع للهواتف الذكية؛ فحتى العام 2014 كان ما يقدر بـ 2 مليون إيراني فقط يملكون هاتفًا ذكيًا، بينما تشير التقديرات إلى أن الإيرانيين اليوم يملكون 48 مليون هاتف ذكي.

وكان هذا النمو الهائل مدفوعًا بإدارة الرئيس حسن روحاني، وهو رجل دين معتدل نسبيًا داخل النظام الإيراني، سمح مسؤولوه لمزيد من مزودي خدمة الهواتف المحمولة بتقديم خدمة الإنترنت بمعيار الجيل الثالث والرابع 3G و 4G، ما يجعل مشاركة الصور ممكنًة بصورة مفاجئة. وأصبحت الاتصالات بالإنترنت منزليًا أسرع، وانتشرت منصة تبادل الرسائل المشفرة تيليغرام بصورة واسعة، حيث يقدر أن أكثر من 40 مليون إيراني يستخدمونه لكل شيء مثل المحادثات الاعتيادية والتجارة والحملات السياسية.

 قنوات تيليغراام

 وفي الاضطرابات الأخيرة، استخدم المتظاهرون قنوات تيليغرام للرسائل الجماعية لتبادل المعلومات وأشرطة الفيديو عبر 75 مدينة وبلدة اندلعت فيها المظاهرات. وأظهرت بعض الفيديوهات المتبادلة الناس في الشوارع وهم يصرخون بلفظ صريح ”الموت لخامنئي!“ ما صدم الكثيرين، خاصة وأن مثل هذه الهتافات يمكن أن تجلب عقوبة الإعدام.

وساعد حظر الحكومة المؤقت لـ“تيليغرام“ وكذلك ”إنستغرام“ على إخماد الاحتجاجات في غضون أيام، وقد أدى حظر تيليغرام سريعًا لانتشار شكاوى من رجال الأعمال الذين يستخدمون المنصة للدعاية لبضائعهم وبيعها.

وحتى بعد الاضطرابات، رأى روحاني أنه من غير المجدي محاولة إغلاق أداة لا غنى عنها للحياة الحديثة، وقال: ”إذا أردت أن يكون الفضاء الرقمي مفيدًا للمجتمع، تقدم بحل لاستخدامه لتعزيز الثقافة بدلًا من حجبه“، مشيرًا إلى أن الحكومة الإيرانية السابقة حاولت منع الناس من الاستماع إلى الراديو ”لكن هذا المنع كان غير مجد“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com