بطاقة حمراء للرئيس

بطاقة حمراء للرئيس

أطاح «الربيع العربي» بهيبة عدد من عتاة الرؤساء العرب. قلب كراسي تصّور أصحابها أنها لا تهتز. لكن الهيبة تختلف ما بين نظام شمولي وآخر ديمقراطي. أن تحترم طوعاً ليس مثل أن تهاب وأنت مرغم. ما الذي يفقد الرئيس الفرنسي هيبته سنة بعد سنة؟
لعله صغر سنه بالقياس مع من سبقه من الرؤساء. يحتاج العجين وقتاً لكي يختمر. كان في الأربعين يوم دخل «الإليزيه». شاب طموح بلا تجربة سياسية. متحمس ينزع السترة ويشمّر عن الأكمام وينزل إلى الشارع يلتقي المواطنين. هؤلاء هم شعبه الذي انتخبه. لكن بينهم من يستغل هذه الألفة. اعتاد الناس أن يكون الرئيس بعيداً ومحاطاً بالحراس. الاقتراب منه محسوب والأعين مفتوحة والأيدي على الزناد.
تكررت في الأشهر الأخيرة حوادث استقبال الرئيس بالصفير والضرب على النحاس للتعبير عن رفض قراراته، لا سيما رفع سن التقاعد. مدّ رجل من الجمهور يده وصفع الرئيس ماكرون وهو يزور إحدى المحافظات. لم يعتذر الصافع أمام القاضي وحُكم بالسجن 18 شهراً. استأنف الحكم وخرج بعد 3 أشهر.
ليلة أمس السبت، كان مقرراً أن يحضر ماكرون المباراة النهائية لكأس فرنسا لكرة القدم. والمعتاد في الدورات السابقة أن ينزل الرئيس ليصافح اللاعبين قبل صافرة البداية. سيكون هناك هذه المرة 3 آلاف شرطي للحفاظ على الأمن في «ستاد دو فرانس».

أحبّ الفرنسيون شيراك وتجلى حبّهم لحظة وفاته. لكن شعبية ماكرون في انحدار. رئيس يركب رأسه وهو يرى باريس تحترق


أكتب هذا الكلام صباح السبت. مع احتمال أن يغيب ماكرون عن المباراة تحسباً للتحشيد الذي هيأته له نقابات العمال. لقد طبعوا 30 ألف بطاقة حمراء لكي يرفعها الجمهور في وجه الرئيس حال نزوله إلى الملعب. كما جرى توزيع 10 آلاف صافرة على المشجعين لكي يصفروا سوية في الدقيقة 49 من المباراة. وهي إشارة إلى المادة التي تحمل هذا الرقم من الدستور وتتيح للحكومة تمرير قانون من دون العودة إلى البرلمان.
ما زال ماكرون مصراً على الذهاب لملاقاة المواطنين في أرجاء البلاد. لكنه بدأ يحسب حساب مظاهرات الاحتجاج ولا يعلن عن تحركاته. تقلع طائرته «الفالكون» الصغيرة من دون أن يعرف أحد وجهته. وقبل هبوطها بقليل يجري إبلاغ محافظ المنطقة. وهو ليس مضطراً لمصافحة الأهالي الخارجين لاستقباله لكنها هواية تعلمها من الرئيس شيراك، صاحب الرقم القياسي في المصافحات والطبطبات.
أحبّ الفرنسيون شيراك وتجلى حبّهم لحظة وفاته. لكن شعبية ماكرون في انحدار. رئيس يركب رأسه وهو يرى باريس تحترق. استوقفه أحد النقابيين، قبل أيام، وقدّم له أرقاماً حول زيادة الأسعار. رد عليه الرئيس: «أنت تتفوه بحماقات». ولم يسكت النقابي وقال: «بل أنت من يتفوه بالحماقات كل يوم ومن 5 سنين». نقلت الكاميرات الصوت والصورة. يصعب الحفاظ على الهيبة في زمن الهواتف الذكية والشاشات. قاطع الطلبة ماكرون وهو يلقي خطاباً في لاهاي، أثناء زيارة رسمية لهولندا. رفعوا لافتة من ثلاث كلمات: «رئيس العنف والنفاق».
استقال الجنرال ديغول، وهو من هو، لأنه أراد إجماعاً شعبياً على سياسته. قال قولته الشهيرة: «لن أصبح ديكتاتوراً بعد أن تجاوزت الستين». إن لكل رئيس أسلوبه. والأسلوب هو الرجل. زار ساركوزي ضاحية شعبية وواجه صفير الشباب بعين حمراء ووصفهم بالحثالة. ولم يمتلك هولاند صفاقة ساركوزي. رأى في إحدى الجولات من يصفّق ومن يصفّر. ابتسم وخاطب الموجودين: «أسمع الكثير من التصفيق والقليل من التعبير عن الإحباط. إن المحبطين موجودون دائماً».
هبّ الوزير غابرييل عطال يدافع عن ماكرون. قال إنه يفضل رئيساً يتلقى الصفير على رئيس يتوارى.

الشرق الأوسط

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com