في برشلونة!

في برشلونة!

نجم عبدالكريم

بينما كنت أنتظر دوري للدخول إلى طبيب العيون في صالة انتظار تعج بمن قدموا إلى برشلونة التي اشتهرت مستشفياتها بعلاج العيون، لفتت انتباهي سيدة ستينية – ضمن المنتظرين – تقرأ في كتاب واضح من غلافه أنه باللغة العربية، وبما عُرف عني من “لقافة” في ظرف كهذا، كان لابد لي من التحرك نحوها، مما استثار حفيظة زوجتي:

– دع المرأة وشأنها!

– لكنها تقرأ كتاباً عربياً.

– وهل هذا مبرر لكي تتحدث إليها دون سابق معرفة؟

– ومن قال لكِ دون سابق معرفة؟

– هل تعرفها؟

– بل هي تعرفني!

– هي تعرفك؟!.. كيف هي تعرفك؟!

– انظري إلى عنوان الكتاب الذي تقرأه.

– وكيف لي أن أقرأ من هذه المسافة؟

– يا حبيبتي.. إنها تقرأ كتاب “عندما يتكلم التاريخ”.

– كتابك؟

– نعم.

– إذاً في هذه الحالة، لابد من التعرف عليها.

***

• أسعد الله أوقاتك يا سيدتي.

– أهلاً بك.

– أرى أنك تقرئين “العربية”؟

أجابت بلغة عربية فصحى سليمة: نعم… فأنا مدرسة التاريخ العربي في جامعة برشلونة.

– وهل هذا الكتاب من كتب التاريخ؟

– عنوانه يوحي بذلك، لكنه ليس كتاباً تاريخياً.

– كيف هذا وعنوانه “عندما يتكلم التاريخ”؟!

– صحيح.. مؤلفه اختار بعض الأحداث التاريخية وكتبها بأسلوب درامي أقرب ما يكون إلى أسلوب الكتابة الإذاعية أو التلفازية أو الحوار المسرحي الذي يعتمد على السيناريو أو الحوار.

– كيف وصل إليكِ هذا الكتاب؟

– شقيقتي تعمل مدرسة للغة الإسبانية في جامعة الشارقة، وهي تجيد العربية أيضاً، وكلما أُقيم معرض للكتب في الشارقة توافيني بالكتب التاريخية لمعرفتها باهتمامي بها، إلى جانب أنها من صلب اختصاصي.

– وهل وجدت فائدة في هذا الكتاب؟

– كلا.. إنه لمجرد التسلية، كُتب باختصار شديد!

– سيدتي.. ممكن أن أقدم لكِ نفسي؟

– منذ أن دخلت، نظرت إلى صورتك على غلاف الكتاب، ثم قرأت اسمك في الصفحة الثالثة حيث كُتب باللغة الإنكليزية، لكنني لا أملك الجرأة مثلك على اقتحام الذين لا أعرفهم.

• ثم سألتني بدورها عما أعرفه عن تاريخ أدب إسبانيا، فأخبرتها عن “دون كيخوتة” (الفارس الذي حارب طواحين الهواء) لسرفانتس، ثم أخبرتها أيضاً أن سرفانتس قد اعتُقل في الجزائر، بعد أن اختطفه قراصنة في البحر سنوات عدة، وأثناءها كتب هذا الكتاب، ثم قلت لها عن معرفتي البسيطة بغارسيا لوركا الذي أعدمه فرانكو.

• في هذه الأثناء أُعلن عن اسمي للدخول الى الطبيب.. فطلبت البرفيسورة ماريانا مارتنيز من الذي ينادي على اسمي أن يسمح لي بدقائق حتى أكتب لها الإهداء على الكتاب باللغة العربية، ودعتني لكي أصحبها في محاضرة تخصصها لطلبتها عنوانها “التسلية التاريخية”!

الجريدة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎