ربطة العنق وألوان السياسة في تونس

ربطة العنق وألوان السياسة في تونس

عدلي صادق

ثمة إجماع على دهاء الشيخ راشد الغنوشي وحنكته. ولعل هذا هو الذي أعطى حركة النهضة هامشا معقولا للمناورة، تفتقده الحلقات “الإخوانية” الأخرى لغباء قياداتها القُطبية. بعد أن كان الرجل يحلم بحركة إسلامية شعبية كاسحة، تراجع خطوات تكتيكية كبيرة إلى الوراء ليربح وجود حركته النخبوية على الخارطة السياسية، دون أن تُرهقها الدولة أو أن تُرهق هي الدولة.

وكان الدرس المستفاد جزائريا في أغلب الاحتمالات، وهو من شقين بليغْين، الأول أن محاولة الظفر بحزب إسلامي شعبي كاسح في تونس، على غرار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، لن تنجح، بحكم فوارق جوهرية في طبائع التطور الاجتماعي الاقتصادي والثقافي، بين الريفين في البلدين الشقيقين الجارين.

وعلى الرغم من ذلك، لم تستطع جبهة الإنقاذ رغم اكتساحها صناديق الاقتراع، كسر الدولة أو قطع الصلة بينها وبين المجتمع، فكان اندثارها هو الشق الأول المستفاد، بالنسبة للغنوشي. أما الشق الثاني، فتمثله تجربة الشيخ الراحل محفوظ نحناح، الذي استهدى بالحكمة الحذرة الناصحة بألا يموت الذئب ولا تفنى الغنم.

مضى الرجل كصاحب حق في الحضور السياسي والحزبي داخل المجتمع، بالتزامن مع أوقات مطاردة مكتسحي الصناديق والحملة العسكرية ضد من تفرع منهم ولجأ بالسلاح إلى الجبل. وكان نحناح قد تقبل تغيير اسم حركته، تماشيا مع الدستور الذي يمنع استخدام رمزيات الأمة للترويج السياسي، ونزع عن الاسم صفته “الإسلامية” لكي يحافظ على حركته، فأعلن عنها كــ”حركة مجتمع السلم” لكي يظل صاحب حق في التواصل مع المجتمع الجزائري، في محتشدات السكان والطلاب ومع منظومة الدولة.

لم يتردد الشيخ الغنوشي في عقد التحالف مع حزب نداء تونس الليبرالي، بزعامة الباجي قائد السبسي. وقد شجعته، على الأغلب، حقيقتان، الأولى أن ليبرالية هذا الحزب الاقتصادية لا تتعارض مع توجهاته وتوجهات الإسلاميين، بحكم أن توجهات اليساريين الاقتصادية مرفوضة إسلامويا حتى ولو كانت جلابة للسعادة القصوى.

أما الحقيقة الثانية، فهي أن نداء تونس يفتقد إلى الملاط الأيديولوجي اللاصق وإلى ضبطيات الأحزاب العقائدية، وبالتالي فإن استراح الغنوشي بحزبه ذي الملاط الأيديولوجي اللاصق والضبطية التنظيمة والتُقية، فإن وضعه مع الوقت سيكون أفضل من وضع حليفه الفائز في الانتخابات دون أغلبية.

وهذا هو ما جرى، وما يُقرأ عند صياغة التوقعات المتعلقة بالانتخابات المحلية التي ستُجرى في نهاية هذا العام. وليس أدل على كون التوافق بين رئيسي النداء والنهضة هو محض اتفاق ضرورة طارئة؛ من تسميته “تحالف الشيخين” الذي تشكل في اعقاب انتخابات أكتوبر 2014 وليس قبلها، وبحكم نتائجها لا بحكم مقدماتها وحملاتها.

استفاد الغنوشي بالطبع من التطابق مع السبسي في رؤيته للمنحى الاقتصادي لليسار، ومن تقبله بل حماسته للاتفاقات مع صندوق النقد الدولي. وفي المحصلة، وهذا هو الأهم بالنسبة للحلقة “الإخوانية” التونسية، هو عدم خسارة التواجد في مؤسسات السلطة المدنية والخدمية مهما كان ضئيلا، واستئناس مؤسستها الأمنية والاستمرار في عملية التوسع الحزبي.

وفي هذا السياق، اتسمت النتائج بعنصر الطرافة في جوهرها، وهذا يذكرنا بالنقص الفادح في الذكاء السياسي والاجتماعي للدولة، أي دولة، التي في مقدورها إلحاق الهزيمة بالإسلامويين في المعركة الاستراتيجية معهم، وموضوعها أي الطرفين يغلب ويهيمن.

فالدولة تنتصر، ويكون معها معظم المجتمع أو جزء معتبر منه، بحكم الخوف أو التخويف من الإسلامويين، وهذه قاعدة أبدية، لكن هذه الدولة بعد أن تنتصر، تجد نفسها بلا نسق سياسي واجتماعي مقنع للناس، وفاقدة للقدرة على تحشيدهم معها، بل فاقدة للقدرة على منع خسارنها لهم، وبالتالي تصبح الدولة في وضع المهزوم في معركة التكتيكات، وتنشأ الثغرات في جدارها، أمنيا وسياسيا.

ما حدث في تونس، أن النص المسرحي بعنوان “التوافق” الذي قررت النهضة أن تلعبه، قد أصبح زخما سياسيا. استفادت النهضة من أزمة النداء وتعزز دور الحليف الأصغر على صعيد إدارة الدولة، ونجح في استعادة الكثير من المواقع الاجتماعية وتجاوز هزيمة 2014 وتهيأ جيدا للانتخابات المحلية المقبلة. وثمة إشارات تدل على رغبته في أن يقتصر تحالفه مع النداء على رئيس الجمهورية ورئيس الحزب.

وفي مناخات التطور الحاصل في خلفيات السياسة، كان لا بد من ظهور متلفز للشيخ راشد الغنوشي. بعد احتجاب طويل، اختار التوقيت لكي يكون يوما “فاتحا” لشهر أغسطس. وقبل أن ينطق بأي كلام في لقائه مع قناة خاصة، أعطى إشارته بأن ثمة جرعة أخرى من “اللبرلة” جاهزة للخليط السياسي “النهضوي” ترمز إليه ربطة عنق أنيقة.

والربطة بدورها ترمز إلى اختلاف معتبر عن الإسلاميين من السُنة والشيعة. هو في الحقيقة لم يحذف سطرا واحدا من أيديولوجيته، بل أضاف سطرا من الشكليات. فالإسلاميون متنطعون بطبيعتهم (لغتنا العربية الجميلة خصصت فعل التنطع لمن يعتريه الخمول حيال القضايا المهمة، أو قضايا الحياة، لكنه ينشط و”يدق” في المسائل الشكلية والفارغة وفي قضايا الموت).

في تلك المقابلة، فاجأ الغنوشي رئيس الحكومة يوسف الشاهد بالنصيحة التي ستلقى رواجا بين الشعب، وهي ألا يترشح للرئاسة، فإن فعلها وترشح، لن يحظى بمساندة النهضة في مواجهة اليساريين.

وكان مفيدا بالنسبة لذي الربطة التذكير بأنه المساند الأهم للتعديلات الهيكلية التي فرضها صندوق النقد الدولي على الاقتصاد التونسي، بل مؤيد قوي للإجراءات القاسية، ومنها الاستغناء عن عدد كبير من عمال القطاع الحكومي، وخصخصة مؤسساته.

في الحقيقة، لم تكن ألوان ربطة عنقه في زهو ألوان ربطات محمود عباس في فلسطين، فعباس يخصخص مؤسسات شعبه السياسية، أما الغنوشي فإنه يطالب بخصخصة بعض معامل القطاع العام، وطرد بعض العمال الذين بمقدورهم اللجوء إلى قطاع السياحة وإلى ركوب البحر.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com