الشر الإسلاموي في عين الحلوة

الشر الإسلاموي في عين الحلوة

عدلي صادق

كان في مقدور المسلحين، المنضوين في جماعات داعشية ذات مسميات شتى، الذين حصلوا على موطئ قدم في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ أن يحسبوا حسبتهم بشكل مختلف، فيربحوا مكاناً يمكن أن يعيشوا فيه طويلاً، مستفيدين من اعتبارات عدة، من بينها أن المخيم مغلق أمنيا على أجهزة الدولة اللبنانية مقابل كف الشر، وأن مساحته لا تزيد عن كيلومتر واحد مربع، تزدحم بالأطياف من كل نوع، بمعنى أن لا فضاء لتأسيس خلافة أو دولة. لكن هؤلاء كالعادة، حسبوا حسبتهم بغرائزهم لا بعقولهم إن كانت لهم عقول.

لكن ما جرى وظل يجري في مخيم عين الحلوة، منذ نحو سبع سنوات، رسم صورة مكثفة ومختزلة، للكارثة المتفشية في العديد من البؤر الموبوءة بمثل هؤلاء في الوطن العربي.

فالمتأسلمون الخارجون من قبعة الحاخام، يعلنونها بمفاعيل النار والاحتراب: إما نحن أو الموت والخراب. فلا معايير حتى للقياس، ولا عقل ولا شرف ولا شفقة على الناس في منهاجهم. فهؤلاء يريدون لأرجوحة القتل أن تظل دائرة في المخيم، أو أن تتطور فتصبح حرباً للدمار الشامل.

ولكي نتعرف على عمق الفاجعة، ينبغي أن نتذكر أن الفتى بلال بدر، الذي تأبط الشر منذ سن العشرين (وهو اليوم في السابعة والعشرين) وزعم أنه بصدد مشروع للخلافة الإسلامية، قد افتتح تجربته بقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وظل يزعم أنه يمتلك ميزان الحق، فلا إسلام ولا مسلمين ولا فقه إسلامي قبله ولن يكون بعده، وهذا مكمن الجنون الذي أنتج الجريمة تلو الأخرى.

تتخذ البنادق والعناوين والأوهام والتمظهرات من مخيم عين الحلوة مسرحا للنزال. المكان ضيق وليت الحمار هو الرفّاص. فما أنبل الحمار في هذا الخضم، الذي بات الرصاص فيه رفاصا مع الشظايا.

إن المشتغلين في صناعة سينما رعاة البقر في هوليوود، لا يخشون من شرارة خاطئة تصيب مصورا أو عابر سبيل، لأن المساحة المخصصة للتصوير، تبلغ 65 كيلومترا مربعا، خالية من الناس، تنفتح عند الاقتضاء على أراضي لوس أنجلوس في ولاية كاليفورنيا.

وقبل إطلاق رصاصة “فشنك” واحدة، تكون قد وُضعت بإحكام، ماكيتات المدن والشوارع على النحو الذي يراعي السلامة. لكن “مجاهدي العار” من طلاب المجد الوضيع، المستقوين على الناس في عين الحلوة لا يراعون أمراً يتعلق بأمن وحياة البشر المعذبين أصلا. في كل مرة، ينفجر القتال في مساحة المخيم الضيقة التي لا تزيد عن كيلومتر مربع واحد، يتساكن فيه ثمانون ألفا من البشر الطبيعيين الحالمين بالعودة إلى ديارهم، مع عدد متناسل من الأطر والكيانات الميكروسكوبية، التي تبشر بتحرير الأندلس فضلا عن فلسطين، يتلقى الفلسطينيون جميعاً الزجر واللوم من المرجعيات المحترمة في صيدا.

فقبل نحو خمس سنوات أسمع الشيخ سليم سوسان، مفتي صيدا وجوارها، وفداً فلسطينياً، حديثاً زجرياً قال فيه إن أحداث المخيم “غريبة عن طبيعة الشعب الفلسطيني”، ودعا إلى تنبه الفلسطينيين “من فتنة قد تُحاك لهم، وتؤدي إلى هلاك وضياع وجودهم وقضيتهم المحقة”.

وبدا لافتاً أن اللاجئ الفلسطيني في لبنان، وقد تأثر بانشغال سلبا بترهل الأطر الفصائلية، تبعاً لبؤس حال مركز القيادة الفلسطينية الرسمية في رام الله، ومركزيات الفصائل، وقف حائراً لا يجد من يغيثه ويسانده ويعمل على توفير الأمن له في هذا الزمن الفلسطيني العسير والرديء.

لقد وقفت الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، بلهاء، عاجزة عن تكريس أيّ منظومة قيمية تكون ناظما لقضايا الحياة في المخيم. وازداد الوضع سوءاً عندما جاءت الغربان المتأسلمة الخارجة من قبعة الحاخام، وهي غربان لا يحترم بعضها “إسلام” بعض، ولا يجمعها قرآن كريم.

تفاقمت حياة الناس في المخيم، وأصبحت أشد مضاضة على النفس من مساكنة محتل واحد غاشم، أو نظام واحد مستبد. وحيال هكذا حال، كان لا بد من قوى جديدة، موصولة بهمم الشباب الذاهبين إلى النهوض بالحركة الوطنية الفلسطينية، على قاعدة احترام الناس والتمسك بالقضية، والتمسك بصفة ووظيفة المخيم في الشتات.

فمخيمات الشعب الفلسطيني في لبنان وسوريا والأردن، ليست مطالبة بأكثر من أن تشهد على شيء واحد، وهو عدالة القضية الفلسطينية واستمرار مظلومية الفلسطينيين، وليس من وظائفها أن تشهد على نظافة الزبائل والذقون التي تمارس الإرهاب.

لذا كان لا بد من قوة جديدة وفتيّة، تحمل مشروعا للنهوض الفلسطيني، لكي لا تندثر القضية أولا، ولكي لا تتحول الظاهرة الكفاحية الفلسطينية، إلى ظاهرة شريرة تناصب البشر عداء مجانيا ومجنونا، مثلما يفعل المتأسلمون.

العرب

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com