إيران والتقارب الأميركي الروسي

إيران والتقارب الأميركي الروسي

عبدالوهاب بدرخان

 

دشّنت الولايات المتحدة وروسيا تفاهمهما الأول في سوريا، وقد أعطى الرئيسان دونالد ترامب وفلاديمير بوتين خلال لقائهما الأول في هامبورغ، على هامش قمة العشرين، موافقتهما على مذكرة تفاهم لإقامة «منطقة خفض تصعيد» تشمل درعا والقنيطرة والسويداء في جنوب سوريا، ما سيغدو الهدنة الأولى والوقف الأول لإطلاق النار بضمان الدولتَين ومشاركة الأردن. كان الهدف من المحادثات التي أجريت في عمان أن تصبح هذه المناطق الثلاث «مناطق آمنة»، غير أن موسكو لم توافق. ولذلك لأسباب عدّة، من أهمها أن المناطق الآمنة ستكون كلّياً خارج أي سيطرة لها أو للنظام السوري، وبالتالي فإنها ستصبح مميّزة وستسهم في إفشال «مناطق خفض التصعيد» الأخرى التي اتفقت عليها مع تركيا وإيران بموجب «مسار أستانا» الذي يشهد صعوبات وخلافات بين الدول الثلاث، بدليل أن الاجتماع الخامس في العاصمة الكازاخية لم يكن ناجحاً، رغم الإعلان المسبق عن توافق الدول الثلاث على رسم حدود المناطق الثلاث (الغوطة الشرقية وإدلب وبعض أجزاء من محافظة حمص).

كانت الأنباء الأولية عن «تفاهمات عمان» التي نقلها مساعد وزير الخارجية الأميركي ستيوارت جونز إلى اجتماع أستانا، يوم 4 يوليو، صدمت الإيرانيين والأتراك لكونها تعني إخراج الجنوب السوري من اتفاق «المناطق الأربع» ومن «مسار أستانا». سبق ذلك إعلان النظام السوري وقف الأعمال القتالية في الجنوب، وكان مفهوماً أن الجانب الروسي هو الذي طلب هذه الخطوة. ومع أن «مسار عمّان» اقتصر إعلامياً على الدولتَين الكبريين إلا أن الترتيبات على الأرض اقتضت إشراك الأردن، كما أن رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي المملوك زار عمّان أكثر من مرة خلال الشهر الماضي، وفي الوقت نفسه كان هناك تشاور بعيد عن الأضواء مع إسرائيل المعنيّة بشكل خاص بالقنيطرة والحدود مع سوريا.

ما حتّم التعجيل ببتّ وضع المنطقة الجنوبية الغربية هو اشتداد الضغط على الجبهات وانكشاف أن ما يسمّى «قوات النظام» هو فعلياً قوات من «حزب الله» وميليشيات أخرى تابعة لإيران مع تغطية شكلية من قوات بشار الأسد. وكان أي تقدّم للقوات المهاجمة سيرتّب وضعاً غير مقبول لا أميركياً ولا روسياً، لأنه سيعني وصول إيران إلى حدود الأردن، وكذلك إلى حدود إسرائيل، وبالتالي فإن احتمالات دخول أطراف جديدة إلى الصراع ستتوسّع وتضاعف التعقيدات. ومن جهة أخرى أدّى التصعيد في المنطقة إلى إرباك الولايات المتحدة التي تجنّبت على الدوام أي انزلاق إلى التدخّل في الصراع الداخلي السوري، إذ كانت تفاهمت مع روسيا على عدم التعرّض لقوات النظام بشرط ألا تضمّ إيرانيين أو تابعين لهم، ولذلك قصفت هذه القوات عندما اقتربت من معبر التنف المتاخم للمثلث الذي تلتقي عنده حدود سوريا والعراق والأردن، كما دعمت قصفها عندما ضغطت لاسترجاع كامل محافظة درعا، فيما تولّت إسرائيل قصفها نحو عشرين مرّة خلال أسبوعَين لدى اقترابها من القنيطرة.

الفارق بين هذا الاتفاق الأميركي- الروسي وأي اتفاقات في عهد باراك أوباما أن واشنطن غيّرت نمط تدخّلها في سوريا واضطرّت روسيا والنظام السوري للتكيّف مع الوقائع التي فرضتها، سواء بالنسبة إلى منطقة الجنوب أو بالنسبة إلى تأمين حدود سوريا، فمن الواضح أن إدارة ترامب ليست معنية بمسايرة إيران، على غرار ما كانت تفعل إدارة أوباما، وأنها كانت تعني ما تقول عندما أعلنت أن من أبرز أهدافها الحدّ من النفوذ الإيراني في سوريا، إذ إنها أنجزت خطوتَين حاسمتَين في فرملة أهداف استراتيجية لطهران: الأولى بمنع إيران من اختراق الحدود البريّة من الجانب العراقي، إن بالتفاهم مع روسيا أو بالضغط على حكومة بغداد. والثانية بمنع إيران من التمركز على الحدود مع الأردن وإسرائيل.

للمرّة الأولى تلمس إيران أن هناك ما يمكن أن يحصل في الأزمة السورية من دون أن تكون «شريكة» فيه أو مستفيدة منه، والمؤكّد أن خطوات أخرى مقبلة قد تتجاهلها، إذ أشار الوزير ريكس تيلرسون إلى «مناقشة مطولة جداً في ما يتعلق بمناطق أخرى يمكننا أن نواصل فيها (مع الروس) العمل معاً لتخفيف التصعيد». فبعد حرمانها من الوصول إلى الحدود الجنوبية الغربية لتعكف على التوتير والاشتباك مع إسرائيل أو على مشاغلة الأردن، وكذلك منعها من المشاركة في تحرير الرقّة من سيطرة تنظيم «داعش»، بقي أن تحاول التدخّل في تحرير دير الزور، ولكن مناخ التقارب بين أميركا وروسيا بات واقعاً لا تستطيع مقاومته. ولكنها ستحاول.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com