عاجل.. بعد «داعش»: مصير «الحشد الشعبي»

عاجل.. بعد «داعش»: مصير «الحشد الشعبي»

عبد الوهاب بدرخان

عندما زار حيدر العبادي إيران، قبل نحو أسبوعين، حذّره المرشد علي خامنئي من اتخاذ أي إجراء يمكن أن يؤدي إلى إضعاف ميليشيات «الحشد الشعبي»، التابعة في معظمها لإيران، وبعضٌ منها ولاؤه للمرشد شخصياً، معتبراً أن ذلك قد يعرّض استقرار العراق للخطر، وطلب خامنئي من العبادي «ألا يثق بالأميركيين» في الحرب على الإرهاب لأنهم «هم وحلفاؤهم في المنطقة خلقوا داعش بأموالهم ولا يريدون القضاء عليه تماماً». هناك احتمالان: إما أن الولايات المتحدة وضعت على الطاولة ضرورة حلّ هذه الميليشيات كاستحقاق لا بدَّ منه بعد إنهاء سيطرة «داعش» في الموصل وفي الجيبَين الأخيرَين الحويجة وتلعفر، وإمّا أن مرحلة «ما بعد داعش» طرحت تلقائياً البحث في مصير «الحشد» الذي نشأ وفقاً للرواية الرسمية غداة ظهور التنظيم وانتشاره وتهديده بغداد نفسها، خصوصاً أن قيادات عربية في شمال العراق طالبت بحلّ «الحشد»، أو طرده من المحافظات التي تقطنها غالبية سنّية.

كان الجانب الأميركي تعايش على مضض مع وجود «الحشد» على الدوام في محيط المعارك التي خيضت ضد «داعش»، ونبّه باستمرار إلى أن ممارساته تنعكس سلباً على جهود الجيش والشرطة والقوات الخاصة بمكافحة الإرهاب التي أشرفوا على إعادة تأهيلها وتدريبها وتجهيزها. أكثر من ذلك، كانت واشنطن راقبت عن كثب تطوّرات الأزمة التي فجّرها نوري المالكي مع المحافظات السنّية، وحذّرته من إمكان خروجها عن السيطرة إذا واصل تعنّته في مواجهتها. ومع حرب خلّفت مئات الآلاف بين قتلى وجرحى، وأكثر من مليوني مهجّر في ظروف سيئة، وكمّاً هائلاً من الدمار، لا تشكّل ممارسات «الحشد» من قتل وخطف وتعذيب ونهب وتنكيل استمراراً للحال التي مهّدت لسيطرة «داعش» فحسب، بل مناخاً استفزازياً يكاد يستدعي ظهور الجيل التالي من المتشدّدين على خطى «داعش» و«القاعد» وأكثر عنفاً وتطرّفاً.

قبل أيام، مع اقتراب انتهاء القتال في المربع الأخير في الموصل، توجّه رئيس الوزراء العراقي بالشكر للمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني على فتوى «الجهاد الكفائي»، التي «أنقذت العراق وعبّدت طريق الانتصار»، وهي الفتوى التي استظلّت بها فصائل مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله» و«سرايا السلام»، وغيرها العشرات لتنال مشروعية وجودها بتلبية نداء القتال ضد «داعش» رغم أنها بالغت في استغلال هذا الغطاء للإقدام على ارتكاب مجازر وفظاعات هدفها الثأر المذهبي أكثر مما هو محاربة الإرهاب، بل إن الفتوى نفسها استُخدمت لتأسيس ميليشيات أرسلت إلى القتال في سوريا، ولا شك أن المرجع أُحيط علماً بكل المخالفات التي حصلت، ولعل الأهم أن نتائج الفتوى صبّت في الاتجاه الذي أرادته طهران وجيّرته عملياً إلى «الحرس الثوري»، وقائد «فيلق القدس» فيه، فهل يراجع السيستاني فتواه في ضوء التطوّرات للمساهمة في تطبيع الوضع العراقي؟

يختصر بعض المحلّلين المرحلة المقبلة في العراق بعبارة غير وافية: «الحشد يسيطر والأكراد ينفصلون»، إذ تتجاهل سكان المدن «المحرّرة»/ المدمّرة. فالميليشيات تعوّل على قدرتها على تهميش القوات الحكومية بمجملها، ليس فقط بتفلتها وعدم انضباطيتها، بل أيضاً بفجورها السياسي وخطابها الطائفي الفجّ، كما تعتمد لإدامة وجودها على الفلول المبعثرة لـ«داعش» واستمرار عملياته في بغداد وغيرها، وعدا ذلك استطاع «الحشد» ومرجعيته الإيرانية أن يرغما الحكومة على إضفاء «شرعية» قانونية على وضعه الميليشياوي وتبعيته الصُوَرية لقيادة القوات المسلّحة، ثم أنه ساهم في تغيير المشهد السياسي وتنويع خيارات إيران من أدوات الهيمنة والتحكّم بمفاصل السلطة، وبالتالي بات رقماً مهمّاً في حسابات الانتخابات المقبلة في 2018.

لكن المهمّة الأسوأ التي يبدو «الحشد» مكلّفاً بها إيرانياً هي عرقلة أي مبادرات سواء للمصالحة الوطنية كما بتهديده مؤتمراً مزمعاً للسنّة أو لترتيب أوضاع إدارية خاصة للمحافظات السُنّية، فالخيار الوحيد الذي يطرحه هو الخضوع للهيمنة الإيرانية، لذلك يعتبره الأميركيون عنوان الأزمة المقبلة والعقبة الرئيسية أمام انبعاث الدولة كمرجعية دستورية وقانونية للجميع، ومع أن كل الأحزاب الشيعية وميليشياتها مرتبط أقلّ أو أكثر بإيران، إلا أن التجربة القاسية التي فرضها «داعش» على البلد دفع تنافسها في اتجاهات متباينة يعتقد كثيرون أنه يقود حتماً إلى صراع على السلطة قد يفجّر بدوره مواجهة مسلّحة في ما بينها، لكن يبدو أن استماتة إيران لتوريط «الحشد» في اقتحام الحدود السورية لفتح خط طهران – بيروت مروراً ببغداد ودمشق، قد يؤدي إلى تأجيل هذه المواجهة.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة