قطر و«غلاسنوست» خليجية

قطر و«غلاسنوست» خليجية

محمد خلفان الصوافي

سياسة المكاشفة الخليجية (الاستراتيجية التي استخدمها آخر رئيس للاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف والتي عرفت بالغلاسنوست) تدشن مرحلة جديدة في التعامل الخليجي مع الدول المهددة لاستقرار المنطقة، بغض النظر عن طبيعة علاقاتها، لأن سياسة التغاضي نتيجتها كوارث سياسية.

وفما يبدو من مؤشرات، فإن الفترة المقبلة ستشهد مزيداً من إجراءات التضييق على سياسات الحكومة القطرية نتيجة لتغير مواقف دول عديدة في العالم، بسبب كم المعلومات التي يتم الكشف عنها حول علاقة الدوحة بتمويل الإرهاب في العالم، وهو ما يجعل حتى أقرب حلفائها يبتعدون عنها خوفاً من أن تطالهم تهمة الإرهاب. وربما تكون حالة التردد لدى النظام الإيراني، الذي يعتبر الأزمة فرصة مواتية لشق الصف الخليجي، في إعلان موقف سياسي صريح داعم لقطر، خير مثال على ذلك، بالإضافة إلى محاولة حركة «حماس» النأي بنفسها عن الأزمة الخليجية وعدم إبداء رأيها فيما تواجهه قطر، من منطلق أنها أزمة تهم الخليجيين، مع أن الحركة هي أحد الأسباب.

النقطة التي ينبغي على القيادة القطرية إدراكها أنه إذا قررت الدول الخليجية الثلاث، بالإضافة إلى مصر، الاستمرار في سياسة التضييق عليها فإنها ستتكبد الكثير من الخسائر السياسية والاقتصادية والمعنوية، فعلاوة على تهمة تمويل الإرهاب في العالم، والتي بدأت تخلق قناعة حقيقة لدى الرأي العام العالمي، فإن سياساتها المتناقضة تجعلها حليفاً «غير موثوق به»، حتى بالنسبة للدول والجهات التي يحاول النظام القطري الاستعانة بها في مواجهة تأثير العقوبات الخليجية، مثل الحرس الثوري الإيراني والقوات التركية. ومع أن الحرس الثوري الإيراني يبدو خياراً مستبعداً، فهو يبقى سيناريو موجوداً لدى صانع القرار في قطر، لكن حتى الميليشيات لن تتردد في التخلي عن الحكومة القطرية في لحظة اتهامها بالإرهاب، حيث إن القائمة الخليجية «المنتظرة» ستغير العديد من المسارات.

وفي الواقع، لم تكن دول الخليج راغبة خلال الفترات الماضية في الدخول في مناوشات مع الحكومة القطرية بسبب طبيعة العلاقات التي تربطها بالدول الخليجية، وكذلك العلاقات بين شعوب المنطقة، بل إن الدعم الخليجي لدولة قطر «أضعف» الكثير من المواقف السياسية الضاغطة للدول الأخرى، مثل مصر التي عانت من الإرهاب في سيناء، لكن التباينات المصرية السعودية في لحظة من اللحظات ساعدت قطر على تقليل الضغط ضدها.

ومع أن الدول الخليجية تدرك حجم المخاطر الناجمة عن تصرفات حكومة قطر التي تمس بالأمن الخليجي والعربي، فقد درجت السياسات الخليجية على التغاضي عن بعض التصرفات القطرية. مثل تشكيل «لوبيات دينية وإعلامية» داخل الدول الخليجية، أو ما يمكن وصفه «طابور خامس» لدعم المواقف القطرية، لذا هناك الكثيرون ممن لا يرغبون في استمرار المقاطعة الخليجية ولا يريدون فضح ما تقوم به قطر.

كان هناك حرص من الدول الخليجية على عدم إظهار «غضبها» المكتوم إلى العلن، وكانت هناك محاولات لتجنب اتخاذ سياسات تجعل قطر خطراً ظاهراً للعالم، وبدت هذه الرؤية وكأنها سير على حبل مشدود لمسافة بعيدة، ما يمكن أن يؤدي إلى كوارث سياسية على الجميع، مع عدم «تقدير» الحكومة القطرية «المراعاة الخليجية»، لما تمثله هذه الاستراتيجية من أعباء، بل فسرها البعض كما لو أنها ضعف سياسي في مواجهة قطر، وهو ما أعطى «حلفاء قطر»، أمثال وجدي غنيم ويوسف القرضاوي، فرصة لمزيد من التطاول على الدول الخليجية.

الخطوة الخليجية تجاه قطر لقيت ارتياحاً سياسياً لدى الرأي العام الخليجي بالكامل، ما عدا الذين اعتادوا «سد آذانهم أمام الحقيقة». ومن المتوقع أن يزداد الارتياح، والدليل أن حالة التوسع في عدد المستائين من السياسات القطرية في تزايد، نتيجة لحجم المعلومات التي يتم نشرها، بل إن المرحلة المقبلة من الأزمة سوف تشهد زيادة في المناوشات الإعلامية، ولن يكون هناك مكان لأي أساليب التفافية من قطر التي افتضحت، وظهرت على حكومتها القديمة والجديدة أيضاً حالة من الارتباك، لأنها لم تكن تتوقع ردة الفعل الخليجية وطبيعتها.

انتهى عهد سياسة إمساك العصا من المنتصف، لذلك عززت الدول الخليجية مواقفها ضد قطر حتى في التفاصيل التي تبدو كما لو أنها صغيرة، مثل الاشتراكات في القنوات الرياضية أو الكتابة في الصحافة القطرية، فهي خطوات عملية، وليست كما اعتدنا تصريحات وحملات إعلامية فقط، وهو الجديد في الغلاسنوست الخليجية. وهذا يدشن مرحلة جديدة في التعامل الخليجي مع الدول المهددة لاستقرار المنطقة، لأن السيناريو الحالي ضد قطر، والذي أظهر نجاحاً، يمكن أن يُستخدم مع دول أخرى بما فيها إيران نفسها.

الطريقة التي تعاملت بها الدول الخليجية مع سياسات قطر يمكن وصفها بأنها باهرة للمحللين الموضوعيين، حتى ولو لم تعجب البعض ممن تضررت مصالحهم، لأنها أعطت مؤشراً على أن الدول الخليجية جادة في ترتيب بيتها الداخلي بما يتوافق والاستحقاقات الإقليمية، خاصة بعدما اتضحت الرؤية الخليجية لمعنى الاستقرار الذي تحتاجه المنطقة، ولأنه ما لم يتم التعامل مع المؤامرات القطرية فسوف تعاني المنطقة مشكلات كثيرة متصاعدة، ربما تكون نتيجتها تدمير الأمين الخليجي.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com