قطر: ‬القائد ‬حين ‬الفشل

قطر: ‬القائد ‬حين ‬الفشل
Qatar's foreign minister Sheikh Mohammed bin Abdulrahman al-Thani gestures as he speaks to reporters in Doha, Qatar, June 8, 2017. REUTERS/Naseem Zeitoon

عبدالله بن بجاد العتيبي

الفشل‎ ‬أمرٌ ‬مكروه ‬للنفوس، ‬وهو ‬أكثر ‬كرهاً ‬لدى ‬القيادات ‬المسؤولة ‬عن ‬شعوبها ‬ودولها ‬ومصالحها ‬ومستقبلها، ‬ولكنّ ‬التحالف ‬مع ‬الفاشلين ‬لا ‬يؤدي ‬إلا ‬إلى ‬الفشل، ‬والتحالف ‬مع ‬الإرهاب ‬والأصولية ‬يؤدي ‬للفشل، ‬لأنهم ‬أفشل ‬الناس ‬في ‬السياسة ‬والإعلام ‬والحياة، ‬فنجاحاتهم ‬الوحيدة ‬هي ‬في ‬إراقة ‬الدماء ‬وإزهاق ‬النفوس. إدمان‎ ‬الفشل ‬هي ‬حالةٌ ‬تعتري ‬الإنسان ‬حين ‬يخسر ‬كل ‬رهاناته ‬وتفشل ‬كل ‬رؤاه ‬على ‬مدى ‬عقدين ‬من ‬الزمان، ‬ويفشل ‬كل ‬حلفائه، ‬فيصبح ‬بينه ‬وبين ‬الفشل ‬مودة ‬توصله ‬لحالة ‬إدمان ‬الفشل، ‬هذه ‬حالة ‬إنسانية ‬عامة، ‬وهي ‬لدى ‬من ‬يعتبر ‬قائداً ‬ومسؤولاً ‬أكثر ‬نكايةً ‬وأبلغ ‬ضرراً.

راهن‎ ‬الشيخ ‬حمد ‬بن ‬خليفة ‬على ‬كل ‬خصوم ‬جيرانه ‬في ‬مجلس ‬التعاون ‬الخليجي ‬من ‬إيران ‬إلى ‬«الإخوان» ‬إلى ‬تركيا، ‬فهو ‬آذى ‬الكويت ‬أشد ‬الإيذاء ‬بدعمه ‬لعناصر ‬الفوضى ‬ولجماعة ‬«الإخوان»، ‬وسعيه ‬لشق ‬صف ‬الأسرة، ‬وفعل ‬الأمر ‬ذاته ‬وأكثر ‬في ‬البحرين، ‬بدعمه ‬لكل ‬معارضي ‬الدولة ‬هناك ‬وبالأخص ‬المعارضين ‬الإرهابيين، ‬ولم ‬يقم ‬قدراً ‬لعدد ‬من ‬قادة ‬الدول ‬الخليجية ‬حين ‬أحسنوا ‬الظن ‬فيه ‬للتراجع ‬عن ‬بعض ‬التوجهات ‬السياسية ‬والإعلامية، ‬واشتغل ‬طويلاً ‬على ‬زعزعة ‬الاستقرار ‬في ‬السعودية ‬والإمارات ‬وعُمان.

الانتفاخ‎ ‬الفارغ ‬يؤدي ‬إلى ‬انفجار ‬البالون، ‬وهكذا ‬جرى ‬بعد ‬ما ‬كان ‬يعرف ‬بـ«الربيع ‬العربي»، ‬فقد ‬انفجر ‬بالون ‬قطر ‬الوهمي، ‬وتجلت ‬الحقائق، ‬وظهر ‬حجم ‬المكر ‬والكيد، ‬فأسقط ‬في ‬يده، ‬فالفضائح ‬والخسائر ‬كانت ‬بحجم ‬تدمير ‬دولته ‬الصغيرة ‬وحكمه ‬الضعيف، ‬فاضطر ‬تحت ‬الضغط ‬أن ‬يرسم ‬تمثيلية ‬التنازل ‬عن ‬الحكم، ‬وعجم ‬أعواد ‬أبنائه، ‬فمن ‬كان ‬منهم ‬قوياً ‬سجنه ‬ومن ‬كان ‬منهم ‬ضعيفاً ‬منحه ‬الإمارة ‬لضمان ‬أن ‬يبقى ‬وحده ‬المتحكم ‬في ‬البلاد.

في‎ ‬بيانٍ ‬مشتركٍ، ‬أصدرت ‬الدول ‬العربية ‬المحيطة ‬بقطر ‬ومصر ‬بياناً ‬لمقاطعة ‬قطر، ‬ثم ‬أصدرت ‬بياناً ‬آخر ‬لتصنيف ‬الإرهابيين ‬التابعين ‬للدوحة ‬بما ‬يقارب ‬الستين ‬شخصية ‬داخل ‬قطر ‬وخارجها، ‬وما ‬يفوق ‬العشر ‬مؤسسات ‬قطرية، ‬والقضية ‬في ‬تصعيد ‬لا ‬تهدئة، ‬وفي ‬تضخم ‬لا ‬انحسار. كيف‎ ‬يفكر ‬الفاشل؟ ‬يفكر ‬أولاً ‬بالإصرار، ‬ثم ‬يتطور ‬إلى ‬المعاندة، ‬ثم ‬يتجه ‬لارتكاب ‬الخطايا، ‬والعرب ‬تقول ‬في ‬الأمثال: ‬«يداك ‬أوكتا ‬وفوك ‬نفخ»، ‬وتقول: ‬وعلى ‬نفسها ‬براقش ‬تجني، ‬بمعنى ‬جناية ‬الإنسان ‬على ‬نفسه ‬وأهله، ‬وإن ‬كان ‬قائداً ‬فعلى ‬وطنه ‬ودولته ‬وشعبه.

القائد‎ ‬الفاشل، ‬هو ‬الذي ‬يصر ‬على ‬ادعاء ‬النصر ‬حين ‬الهزيمة، ‬والقوة ‬حين ‬تجلي ‬الضعف، ‬والقائد ‬الأكثر ‬فشلاً ‬هو ‬الذي ‬يعاند ‬الحقائق ‬والمتغيرات، ‬ويصرّ ‬على ‬لعب ‬السياسة ‬بنفس ‬الأوراق ‬القديمة ‬المفضوحة ‬وبذات ‬الرؤية، ‬التي ‬ثبت ‬فشلها ‬وبعين ‬الحلفاء ‬التائهين. حين‎ ‬تنتهك ‬القوانين ‬الدولية، ‬وتدعم ‬الإرهاب، ‬وتموله، ‬وترعاه، ‬فهذا ‬انسياق ‬وراء ‬الفشل ‬للبحث ‬عن ‬مكانة ‬بين ‬الكبار، ‬وعظم ‬الوهم ‬يغري ‬بالقدرة ‬على ‬التجاوز، ‬ولكن ‬حين ‬تأتي ‬ساعة ‬الصفر ‬وينقلب ‬السحر ‬على ‬الساحر، ‬وتبدأ ‬كرة ‬الثلج ‬بالتضخم ‬ضدك ‬فيحب ‬عليك ‬المراجعة ‬والتراجع، ‬وإعادة ‬النظر ‬ومحاسبة ‬النفس.

القائد‎ ‬الفاشل ‬هو ‬الذي ‬يضع ‬كل ‬رهاناته ‬مع ‬دول ‬خارجية ‬وتنظيمات ‬أجنبية ‬لكل ‬منها ‬مصالحه ‬وأجندته ‬وطموحاته، ‬ويترك ‬شعبه ‬ويقمعه ‬ويحاربه ‬بدلاً ‬من ‬تطويره ‬وإسعاده ‬والبحث ‬عن ‬رفاهيته، ‬فيطرد ‬قبيلة ‬كاملة ‬ويسحب ‬منها ‬جنسية ‬الوطن ‬ويتركها ‬ليتلقفها ‬أخ ‬كبير ‬وجار ‬كريم، ‬وحين ‬تأتي ‬لحظة ‬الحساب ‬يلجأ ‬إلى ‬مراكز ‬الثقل ‬الطائفي ‬والأصولي ‬في ‬إيران ‬وتركيا، ‬وهو ‬يحسب ‬أنه ‬يحمي ‬نفسه ‬من ‬شعبه ‬بالأعاجم ‬الخارجيين.

حين‎ ‬ترعى ‬الإرهاب ‬في ‬المنطقة ‬والعالم ‬ضمن ‬لعبة ‬التناقضات ‬التي ‬اشتهرت ‬بها ‬قطر، ‬فإن ‬قاعدةً ‬عسكريةً ‬أميركية ‬في ‬«العديد»، ‬تصبح ‬خطراً ‬مع ‬دخول ‬الرئيس ‬الأميركي ‬دونالد ترامب ‬على ‬خط ‬الأزمة ‬مع ‬قطر ‬وتهديداته ‬المبطنة ‬لها ‬بوجوب ‬التخلي ‬الكامل ‬عن ‬دعم ‬وتمويل ‬الإرهاب. أخيراً،‎ ‬فالقائد ‬الفاشل ‬في ‬اللحظات ‬العصيبة ‬يخاف ‬من ‬شعبه ‬لأنه ‬يعرف ‬مدى ‬جنايته ‬عليه، ‬فتصيبه ‬الهموم ‬ويلازمه ‬الشك ‬المقيم، ‬فلا ‬يثق ‬بأحدٍ ‬سوى ‬الأجنبي، ‬ويصبح ‬في ‬حالةٍ ‬تشبه ‬ما ‬قاله ‬المتنبي: ‬إذا ‬رأى ‬غير ‬شيءٍ ‬ظنه ‬رجلاً.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com