طموح ‬قطر – إرم نيوز‬‎

طموح ‬قطر

طموح ‬قطر

عبدالله بن بجاد العتيبي

تمدد ‬القوة ‬فوق ‬القدرة ‬يؤدي ‬للانكسار، ‬والغرور ‬غير ‬المبرر ‬يؤدي ‬للمهالك، ‬والخبرة ‬الخاطئة ‬تحجب ‬الحقيقة، ‬واللعب ‬على ‬التناقضات ‬والخداع ‬وإنْ ‬نفع ‬لبعض ‬الوقت، ‬فإنه ‬ينفضح ‬وينكشف ‬في ‬النهاية، ‬وهذه ‬مجتمعة ‬هي ‬أسوأ ‬إرثٍ ‬سياسيٍ ‬يمكن ‬أن ‬يخلفه ‬قائد ‬لوريثه. حين ‬يراهن ‬قائد ‬سياسي ‬بناءً ‬على ‬معطيات ‬معينة ‬ولعب ‬سياسي ‬بطريقة ‬ما، ‬ثم ‬يصبح ‬عاجزاً ‬عن ‬أي ‬فهم ‬خارج ‬خطته ‬المرسومة ‬أو ‬مختلفٍ ‬عما ‬نصحه ‬به ‬مستشاروه، ‬وحين ‬تنكشف ‬كل ‬أوراقه ‬ويميز ‬فرقاؤه ‬المقربون ‬بين ‬تناقضاته ‬المعتمدة ‬ودجله ‬المستمر ‬ولا ‬يدرك ‬ذلك، ‬فإن ‬هذا ‬لا ‬يعني ‬شيئاً ‬سوى ‬الفشل، ‬وميراث ‬الفشل ‬هو ‬أسوأ ‬المواريث، ‬لأن ‬فشل ‬القائد ‬يورث ‬فشل ‬الدولة، ‬والدولة ‬الفاشلة ‬قد ‬تأتي ‬أسرع ‬مما ‬يعتقد.

اجتمع ‬حمد ‬وحمد ‬في ‬فترةٍ ‬ما، ‬وفشلا ‬في ‬كل ‬الأحلام ‬المبعثرة ‬على ‬رقعة ‬شطرنج ‬السياسة ‬على ‬مدى ‬عشرين ‬عاماً، ‬وورثا ‬ابن ‬الأمير ‬حين ‬اشتد ‬عليهم ‬الفشل ‬على ‬أن ‬ينقشع ‬الضباب، ‬وتبتعد ‬مبررات ‬الرد ‬على ‬المستوى ‬الدولي ‬والإقليمي ‬والخليجي، ‬وليس ‬من ‬الشجاعة ‬في ‬شيء ‬أن ‬تضع ‬غيرك ‬في ‬الواجهة ‬حين ‬الفشل. قد ‬ينسى ‬الأفراد ‬ولكن ‬الدول ‬لا ‬تنسى، ‬وقد ‬يعفو ‬الأصدقاء ‬وقد ‬تعفو ‬الدول ‬ما ‬دام ‬للصداقة ‬حبل ‬مدود، ‬ولكن ‬الدول ‬لا ‬تعفو ‬حين ‬تتكاثف ‬طعنات ‬الظهر ‬وسياسات ‬الغدر ‬المستقرة ‬ومواقف ‬العداء ‬المستمرة، ‬لأن ‬المصالح ‬الكبرى ‬حينها ‬تصبح ‬هي ‬المعيار ‬والميزان، ‬وطموحات ‬المستقبل ‬ورؤى ‬الغد ‬تصبح ‬الحاكم ‬الرئيس، ‬ومواضعات ‬السياسة ‬تتغير ‬والخبرات ‬تتراكم، ‬والتفاصيل ‬البغيضة ‬ترسم ‬الصورة ‬النهائية ‬لدى ‬صانع ‬القرار.

عشرون ‬عاماً ‬أكثر ‬من ‬كافيةٍ ‬لإيضاح ‬الصورة، ‬والتآمر ‬الذي ‬كانت ‬قراءته ‬سهلةً ‬على ‬الباحث ‬الحصيف، ‬صار ‬اليوم ‬معلومات ‬وتسجيلات، ‬بالصوت ‬حيناً، ‬وبالصوت ‬والصورة ‬أحياناً، ‬وبالسياسات ‬دائماً، ‬والتاريخ ‬الأسود ‬لا ‬يمحى ‬بوساطة ‬وسيط ‬مهما ‬كان ‬مقرباً، ‬ولا ‬ينتهي ‬بمجاملاتٍ ‬ليست ‬في ‬مكانها، ‬وليس ‬من ‬شأن ‬شعاراتٍ ‬عاطفية ‬أن ‬تلغي ‬أحداثاً ‬واقعية. طمحت ‬قطر ‬أن ‬تكون ‬شيئاً ‬أكبر ‬من ‬حجمها ‬في ‬المنطقة ‬والعالم، ‬وهو ‬طموح ‬مشروع ‬لأي ‬دولةٍ ‬صغيرةٍ ‬أن ‬تقدم ‬نموذجاً ‬كبيراً ‬للعالم ‬يفوق ‬قدراتها، ‬مثلما ‬فعلت ‬اليابان ‬أو ‬سنغافورة ‬أو ‬هونج ‬كونج، ‬أو ‬غيرها ‬من ‬النماذج ‬الناجحة ‬في ‬بناء ‬دولها ‬عبر ‬التنمية ‬الاستثنائية ‬والرؤية ‬المستقبلية ‬الباهرة، ‬ولكن ‬الطموح ‬لا ‬يمنع ‬من ‬الخطأ ‬والخطل، ‬وهو ‬ما ‬مثلته ‬أصدق ‬تمثيل ‬طموحات ‬اليابان ‬في ‬الحرب ‬العالمية ‬الثانية.

استطاعت ‬اليابان ‬التعافي ‬من ‬ذلك ‬الخطل ‬بعد ‬تجربةٍ ‬ربما ‬كانت ‬الأكثر ‬مرارةً ‬في ‬التاريخ ‬البشري، ‬وعدّلت ‬مسارها، ‬وانطلقت ‬من ‬جديدٍ ‬كدولةٍ ‬حديثةٍ ‬استطاعت ‬التأقلم ‬مع ‬التوازنات ‬الدولية ‬والرضى ‬بالواقع ‬الجديد ‬والتخلي ‬عن ‬تراثٍ ‬أصبح ‬معيقاً، ‬وقطر ‬اليوم ‬تعيش ‬تحدياً ‬مشابهاً ‬وإن ‬بحجمٍ ‬أقلّ.

طموح ‬قطر ‬هذا ‬لا ‬يشبه ‬اليوم ‬إلا ‬طموح ‬أن ‬تكون ‬أداةً ‬في ‬يد ‬النظام ‬الإيراني ‬وجماعة ‬«الإخوان»، ‬بمعنى ‬أن ‬تكون ‬في ‬مجلس ‬التعاون ‬الخليجي ‬مثل ‬«حزب ‬الله» ‬اللبناني، ‬تؤدي ‬نفس ‬الدور، ‬وتسعى ‬لنفس ‬الخدمة، ‬أو ‬أن ‬تصبح ‬في ‬اليمن ‬مثل ‬حركة ‬«الحوثي»، ‬أو ‬أن ‬تصبح ‬في ‬سوريا ‬والعراق ‬مثل ‬الميلشيات ‬الشيعية ‬أو ‬تنظيمات ‬الإرهاب ‬السُنية. ليس ‬أسوأ ‬على ‬أي ‬قائدٍ ‬أن ‬يشهد ‬في ‬حياته ‬انهيار ‬كل ‬مشاريعه ‬وتحطم ‬كل ‬أحلامه ‬أو ‬أوهامه، ‬وتكشف ‬كل ‬ألاعيبه، ‬وهكذا ‬جرى ‬في ‬قطر، ‬والتاريخ ‬لا ‬يكذب، ‬لقد ‬اختارت ‬عن ‬وعيٍ ‬التحالف ‬مع ‬الأصوليات ‬في ‬العالم ‬العربي ‬والإسلامي، ‬وشكّلت ‬مع ‬دولةٍ ‬إقليميةٍ ‬كبيرةٍ ‬مركز ‬ثقلٍ ‬لأكبر ‬الحركات ‬الأصولية ‬في ‬العالم ‬اليوم ‬وهي ‬جماعة ‬«الإخوان»، ‬وبنت ‬خيوط ‬عنكبوتٍ ‬مع ‬كل ‬جماعاتٍ ‬ورموز ‬الإسلام ‬السياسي، ‬واختارت ‬التحالف ‬مع ‬حركات ‬العنف ‬الديني ‬والإرهاب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com