ترامب: بذور الانحطاط والأزمة المفتوحة

ترامب: بذور الانحطاط والأزمة المفتوحة

حازم صاغية

إقالة جيمس كومي، بعد استقالة أو إقالة مايكل فلن، وحالات التراجع والتعثّر والتناقض التي ارتكبتها الإدارة الأميركيّة الحاليّة، ليست مجرّد سياسات خرقاء، إنّها تستند إلى تقليد أخرق.

صحيح أنّ دونالد ترامب لا ينقصه الجهل، وأنّه ينظر إلى السياسة كصفقة تجاريّة، وإلى المناصب كتنفيعات للأقارب والمقرّبين، وصحيح أيضاً أنّ صلاته بالروس وفلاديمير بوتين وإعجابه بالطغاة تتحوّل من شبهات إلى أدلّة.

مع هذا يبقى في الترامبيّة شيء أبعد وأهمّ من شخصه المحض، إنّه المصدر العميق لما نراه اليوم. هذا الشيء هو أنّ ترامب يقود نظاماً ديمقراطيّاً عبر «نهج» يناقض حكم القانون، ويرتدّ بالتالي عن السويّة التي بلغتها الممارسة الديمقراطيّة. هذا «النهج» له اسم: الحكم بالمزاج والاعتباط وتغريدات «تويتر»، أي بالتراجع عمّا آلت إليه الديمقراطيّة المعاصرة والفهم المعاصر لها.

بذور هذا السلوك النكوصيّ قويّة في ذهنيّة ترامب و سلوكه. هنا بضعة أمثلة:

المعرفة المدرسيّة بتاريخ الديمقراطيّة، والتي تعيدنا إلى أثينا القديمة، تعلّمنا أنّ تلك الديمقراطيّة اقتصرت على الذكور دون الإناث من المواطنين الأثينيّين، وبالرجوع إلى مواقف ترامب من المرأة، يتبدّى أنّ هذا الرئيس على استعداد، فيما لو تُرك الأمر له، أن يلغي كلّ التطوّر الذي طرأ على المفهوم مذّاك.

البدايات الديمقراطيّة اقتصرت أيضاً على الأحرار دون العبيد، أمّا البرامج الاجتماعيّة لترامب، لا سيّما فيما يخصّ الإعفاءات الضريبيّة للشركات، فتعلن انحيازه ضدّ الفئات الأفقر في المجتمع ممّن هم المعادل المعاصر، مع حفظ الفوارق الهائلة طبعاً، لعبيد أثينا القديمة، هؤلاء لم ينالوا حقوقهم السياسيّة إلاّ بنتيجة توسّع قاعدة الديمقراطيّة نفسها، أي دمقرطتها.

فوق هذا، شملت الديمقراطيّة القديمة المواطنين الأصليّين وأخرجت من فردوسها الأجانب. بدورها، اصطبغت مواقف ترامب حيال اللاجئين والمهاجرين بهذه «العاطفة» التي تستثنيهم وتُخرجهم.

إذن وضعت أثينا النساء والعبيد والأجانب خارج الانتخاب، وهؤلاء شكّلوا 85 في المئة من سكّانها، النكوص، في عالمنا الراهن، إلى هذا المبدأ القديم يعني السعي إلى ممارسة الحكم دون رقابة على الحاكم. ويعني بالضبط الحكم بالمزاج والاعتباط، ويعني الكراهية لفصل السلطات الثلاث، وأقصى العداء لـ «السلطة الرابعة»، وتالياً الإعجاب ببوتين وأمثاله ممّن قد يتسبّبون بعزل ترامب.

الأمر لا يقف هنا: فمسيرة المفهوم الديمقراطيّ من أثينا القديمة إلى زمننا الراهن هي أيضاً مسيرة انتقال من الديمقراطيّة المباشرة إلى الديمقراطيّة التمثيليّة التي استدعاها اتّساع رقعة الدول الإمبراطوريّة وتعاظم سكّانها. هكذا غدا ممثّلو الشعب الواجهة والفاعل المباشر، فيما غدا الشعب المصدر الخلفيّ للشرعيّة.

ترامب، كشعبويّ، يكره الحلقات الوسيطة بينه وبين «الشعب»، سواء أكانت «مؤسّسات» أم «نُخباً»، ومعاركه معها، كمعاركه مع الصحافة، لا هوادة فيها.

هكذا كثرت المقارنات بينه وبين حكّام جمهوريّات الموز وديكتاتوريّات «العالم الثالث». معمّر القذّافي، مثلاً لا حصراً، كان يأتي أفعالاً من طبيعة ترامبيّة. لكنّ القذّافي لم يكن يحكم نظامًا ديمقراطيّا، ولا كان ينكص إلى صيغة أولى وقديمة من الديمقراطيّة. هنا يرتسم الفارق بين اندهاشنا الصغير بالقذّافي واندهاشنا الكبير بترامب. وصف الأخير بالتراجع عن الديمقراطيّة الليبراليّة لا يفيه «حقّه»، إنّه أسوأ كثيراً من ذلك.

يفاقم أمره أنّ شيئاً كثيراً من هذا يقيم في معظم سياساته الخارجيّة: 70 مدينة يونانيّة قديمة كانت تخضع لاسترقاق أثينا إبّان عهد بيركليس الديمقراطيّ. هذا تغيّر جذريّاً بدوره: إيمانويل ماكرون، مثلاً، اعتذر من الجزائريّين عشيّة انتخابه. قال إنّ بلاده ارتكبت «جريمة ضدّ الإنسانيّة» في بلادهم.

لهذا يُشكّ في أن ينجو ترامب اليوم. بتعيين أندرو ماكابي خلفاً لكومي، أو من دونه، ستستمرّ حرب الخنادق بينه وبين المؤسّسات، أو بالأحرى بينه وبين ما تطوّرت إليه الديمقراطيّة. هزيمة ترامب، في هذه المواجهة انتصار لأميركا والعالم، للديمقراطيّة وتطوّرها. انتصاره، إذا حصل، هزيمة لكلّ شيء ذي معنى.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com