الترامبية تعود إلى الواقعية

الترامبية تعود إلى الواقعية

عبد الوهاب بدرخان

في أحدث مقابلة مع «رويترز» يقول الرئيس دونالد ترامب: «كنت أعشق حياتي السابقة. كانت لديّ أشياء كثيرة جداً… الآن لديّ عمل أكثر مما كان في حياتي الماضية. كنت أظن أن الأمر سيكون أسهل». قد يلتقي ذلك مع أحكامٍ نقلها بعض الباحثين عن تقديرات روسية وإيرانية، ومفادها أن ترامب لن يبقى على الزخم نفسه في سياسته الخارجية، وأنه سرعان ما سيملّ ، خصوصاً إذا اقتنع بأن نهجه لا يعود عليه بالنتائج المتوقعة، ولذا يحسن العمل على امتصاص اندفاعاته في انتظار لحظة «الملل» التي يرى فيها ضرورة لتغيير سياساته. بعد مئة يوم في الحكم، ربما يصلح هذا التقدير، الذي يغلّب التمنيات على الحقائق ولا يخلو من سطحية، لتقويم الترامبية لا بمقياس «الملل» وإنما بمقياس الفعل والتأثير والإيحاء. ولا يزال ضرورياً التذكير بأن الرجل ليس سياسياً تقليدياً ولا يزال يبني حسّه وخبرته، وبعدما كان مشروعاً فهمه من خلال مواقفه الانتخابية صار ضرورياً الحكم على مدى انسجامه مع «الإدارة»، أي مع «مؤسسة الحكم».

لم يُبقِ ترامب انتقاداً إلا كاله لحلف الأطلسي، ولكنه الآن يريد العمل معه. غازل روسيا وفلاديمير بوتين حتى خال الجميع أن التقارب بينهما سيكون من أولوياته العاجلة، ولكن استقالة الجنرال مايكل فلين كانت أسرع وتسبّبت بدراما غير مسبوقة بين الدولتَين الكبريَين. دأب على مهاجمة شبه يومية للصين، بل ذهب معها إلى أقصى الاستفزاز عندما تحادث هاتفياً مع رئيسة تايوان، ولكن لقاءه الأول مع الرئيس «شي جي بينغ» ساهم في تليينه، بل غدا في عداد نجاحاته. كان بالغ النعومة في الحديث عن بشار الأسد إلى حدّ أن الأخير توقّع أن يعملا معاً (في «محاربة الإرهاب»، طبعاً!) ولكن ترامب أمر بضربة صاروخية زعزعت اطمئنان نظام دمشق إلى مستقبله. وقد أدّى فوزه المفاجئ إلى مراجعات عميقة حول العالم، لدى الخصوم وكذلك الحلفاء والأصدقاء، لحساب ما كان ممكناً أيام سلفه أوباما وما صار صعباً بعده.

كان أول الدروس أن الناخب الأميركي عبّر بقوّة عن رغبة في تغيير السياسات، ما دفعه إلى اختيار مرشح غير نمطي لا يخشى تجاوز الحزبَين التقليديَّين. وكان ثاني الدروس أن شعبوية الخطاب شكّلت صدى لاستياءات الناس من الأزمة الاقتصادية ولضيقهم من الأسباب المغلوطة التي حدّدها اليمين المتطرّف لهذه الأزمة (الإسلام، الإرهاب، الهجرة…)، وهي ذاتها الأسباب المغلوطة التي أبرزها خطاب الساسة البريطانيين في دعوتهم إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي، حتى أن تحليلات كثيرة اعتبرت فوز الـ«بريكسيت» إرهاصاً مبكّراً للترامبية. ولذلك اتجهت الأنظار إلى أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، ولكن أول الاختبارات الانتخابية في هولندا شهد خسارة «فيلدرز» الزعيم العنصري المعادي جهراً للإسلام. ومع أن ترامب خصّ المعارض البريطاني نايجل فاراج باستقبال ودّي، فإن شعبية «حزب الاستقلال» البريطاني لم تتحسّن في استطلاعات الرأي، على رغم أن نايجل لعب دوراً محورياً في الـ«بريكسيت». وكانت زعيمة «الجبهة الوطنية» في فرنسا سارعت إلى طرح نفسها بديلاً منتظراً في سياق تغيير لا مناص منه، إلا أن صعود التأييد لها لم يتعدَّ عتبة محدّدة ولم يكن بتأثير الترامبية بل بسبب ضعف الحزبَين التقليديَّين، ما أتاح مرور المرشح الوسطي إيمانويل ماكرون الذي لم يلجأ إلى الخطاب الشعبوي أو التهييج العنصري.

لم تتضح استراتيجيات إدارة ترامب بعد، ولكن أداءها الحالي يُظهر ميلاً إلى الواقعية أكثر منه جنوحاً إلى تغييرات جذرية. ومن الواضح أن مؤسسات الإدارة والكونجرس تولّت تصويب التوجّهات الأولية، ومنها على المستوى الداخلي مثلاً مواجهة القضاء لقرارات منع السفر أو عدم إلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية قبل طرح بديل عنه، أو التريث في إقرار إنشاء الجدار مع المكسيك، وعلى المستوى الخارجي فرملة الاندفاع نحو روسيا وتوجيه ضربة محدّدة ومدروسة للنظام السوري، وبالأخص إحياء التقارب بين الولايات المتحدة والسعودية ومصر. ولم يبقَ عملياً من التوجّهات الأولية سوى الموقف الحازم تجاه سياسات إيران، إذ تتبيّن أكثر فأكثر فداحة التنازلات البينية (الإفراج عن سجناء وعن أموال…) التي قدّمتها إدارة أوباما ليس فقط للتوصّل إلى الاتفاق النووي بصياغات مرنة لبعض بنوده تتيح لطهران التلاعب بتنفيذه، بل أيضاً لتغطية تدخّلات إيران وميليشياتها وتمدّدها في دول عربية بذريعة «محاربة الإرهاب». إدارة ترامب قطعت مع نهج أوباما وشدّدت قولاً على أنها تريد تحجيم النفوذ الإيراني، وبقي أن تبرهن على ذلك فعلاً.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com