ألغاز «الضربة الأمريكية» فى سوريا.. واحتمالات رد فعل روسيا

ألغاز «الضربة الأمريكية» فى سوريا.. واحتمالات رد فعل روسيا

سامي عمارة

فيما يعزو مراقبون كثيرون قرار الرئيس الامريكى دونالد ترامب حول قصف قاعدة الشعيرات السورية، الى ضغوط داخلية، وخلافات بين ممثلى النخبة الامريكية، وتصاعد ضغط البنتاجون على البيت الابيض، تتقافز التساؤلات على الشفاه، بحثا عن اجابة تميط اللثام عن الاسباب الحقيقية لهذا القرار، وتكشف عما يمكن ان يكون عليه رد روسيا وزعيمها فلاديمير بوتين.

كيف يمكن ان تطلق بوارج الدولة العظمى 59 من أكثر صواريخها قوة ودقة، ولا يصل منها الى الهدف سوى 23 صاروخا فقط، وتضيع الستة والثلاثون الاخرى فى غياهب المجهول؟. وكيف يكون ممكنا ان يصيب ما وصل من هذه الصواريخ ثانى أكبر القواعد الجوية السورية، ولا يسفر القصف سوى عن عدد محدود من الخسائر البشرية، يقل فى مجمله عن عدد ضحايا «حادث مرور» فى شوارع اى مدينة عربية او اوروبية؟.

وكيف من الممكن ان يعلن البنتاجون تدمير «قاعدة الشعيرات» التى استهدفها بصواريخه، لتقلع منها بعد سويعات محدودة القاذفات السورية لتدك معاقل الارهابيين وحلفائهم على مقربة من تدمر وغيرها من المناطق فى سوريا؟. وبهذا الصدد يتندرون فى موسكو بالقول انه ما دام يوجد بين بلدان الخليج من يقوم بتمويل «صفقة الاطاحة بالاسد»، فانه من الممكن ان تستيقظ مشاعر «التاجر» ترامب الذى يمكن ان يبيع لهم «الوهم»، من خلال صواريخ قديمة لا أحد يعرف عددها، لا تصل الى الهدف، ما دام هؤلاء سوف يدفعون ما هو أكثر من المطلوب، الى من سبق وحذرهم بان الولايات المتحدة لن تقوم لاحقا بحمايتهم بالمجان، وانها لن تعود الى مهمة «شرطى العالم»!.

ومن ذات المنظور يتناول المراقبون، ما كشفت عنه مصادر الجانبين الروسى والامريكى حول ان واشنطن أبلغت موسكو مسبقا بقرارها حول قصف «قاعدة الشعيرات»، ما كان مقدمة لاخلائها من الكوادر الروسية وربما أيضا السورية، وما «خف وزنه وغلا ثمنه» من المعدات والطائرات. وما عدا ذلك يصبح مجرد رتوش «لتجميل الصورة»، وجعلها أقرب الى الواقع الذى قد يُرضى الداخل الامريكي، ويدغدغ مشاعر «الاصدقاء» من الخليج واوروبا الغربية من المعروفين بعدائهم السافر لروسيا وزعيمها فلاديمير بوتين، رغم كل ما سبق وقاله ترامب حول استعداده للتعاون مع روسيا فى مكافحة الارهاب، وتفهم عملية ضم القرم وموافقته على بقاء الرئيس السورى فى السلطة. وذلك ما حدث بالفعل حيث سجلت ارقام قياس الرأى العام تزايد عدد المؤيدين لترامب داخل اوساط الجمهوريين والديموقراطيين على حد سواء، الى جانب الذين سارعوا بالاعراب عن غبطتهم فى غرب اوروبا وتركيا وعدد من البلدان العربية، ابتهاجا بنهجه المتشدد، ونكاية فى روسيا وزعيمها بوتين!.

وما نقوله ليس من وحى خيال أو تخمينات، وانما يستند فى بعض جوانبه الى ما نشرته صحيفة «موسكوفسكى كومسوموليتس» نقلا عن الخبير العسكرى فيكتور موراخوفسكى الذى وصف القصف الصاروخى الامريكى بانه «كمن يحاول استخدام «جهاز الميكروسكوب» بدلا من الشاكوش لدق المسامير، اى استخدام أغلى الاشياء دون فعالية تُذكر». بل ومضى الخبير العسكرى الى ما هو أبعد حين قال ان ذلك فضلا عن فوائده الجانبية التى اشرنا منها الى ارضاء «الاصدقاء فى الخليج»، فانها ترضى أيضا «قدامى الاصدقاء» فى التنظيمات الارهابية التى سارعت بعد القصف الامريكى الى تكثيف نشاطها وهجماتها ضد مواقع القوات الحكومية السورية. وذلك ما اشار اليه الرئيس بوتين حين قال ان العملية الامريكية «ستعرقل بشكل كبير انشاء تحالف مضاد للارهاب»، فيما وصفها بانها «محاولة لصرف الانظار عن تزايد عدد الضحايا بين المدنيين فى العراق».

وكان ايفان كونوفالوف رئيس قطاع السياسات العسكرية والاقتصاد فى المعهد الروسى للابحاث الاستراتيجية اشار فى حديثه مع الصحيفة الروسية نفسها الى» ان «القصف الامريكى» لم يكن أكثر من «عمل استعراضى»، الى جانب تنويهه بعدم اصابة المدرج الرئيسى للمطار. اما عن تدمير المخازن ومستودعات الاسلحة، فقد اكدت المصادر الروسية عدم وجود أية أسلحة كيماوية فيها، ولم تسجل الاجواء أية اثار لمثل هذه الاسلحة» بعد قصف المكان وهو ما جعل الكثيرين من المراقبين يتندرون بالمثل الصينى القائل:«عبثا تبحثون عن القطة السوداء فى غرفة حالكة الظلام، وخاصة اذا لم يكن لمثل هذه القطة وجود فى الغرفة»، وهو ما تؤكده تصريحات السفيرة الامريكية فى الامم المتحدة التى رفضت الكشف عن القرائن والادلة التى يمكن ان تبرر بها واشنطن عمليتها العسكرية، بما يعنى وشأن «القطة الصينية» لا وجود لها فى قاعدة الشعيرات. وكانت قناة «روسيا 24» الرسمية تفقدت «الشعيرات» فى اليوم الثانى للعملية، لتؤكد بالصوت والصورة «زيف» ما يتردد حول الاسلحة الكيماوية. وكانت واشنطن حاولت فى مجلس الامن الاسبوع الماضي، استصدار قرار ادانة النظام السورى الحاكم بزعم ارتكابه»جريمة» استخدام غاز السارين، وهو ما حالت دونه موسكو وبكين من خلال التلويح باستخدام حق «الفيتو».

على أن أحدا لا يمارى فى القول ان السياسة الدولية ترتكز على المصالح ولا مكان فيها للمشاعر وتصريحات الحملات الانتخابية، وما يقال من شعارات للاستهلاك المحلي. ومن هنا فان موسكو ورغم ما اصدرته من بيانات وتصريحات، لم تكشف بعد عن الكثير من خبايا ودقائق ما جرى من اتصالات، سبقت واعقبت لحظات القصف الصاروخى لثانى أكبر القواعد الجوية فى سوريا والتى تخضع لاشرافها الكامل منذ بدء العملية العسكرية الروسية فى سوريا فى 2015، وهى التى تظل على يقين من عدم صحة ما تردد حول استخدام القوات الحكومية السورية للاسلحة الكيماوية. فليس من مصلحتها ولا من مصلحة الأسد اللجوء الى ذلك، فى مثل هذا التوقيت الذى يشهد تقدما على صعيد المشاورات السياسية حول الازمة السورية فى الاستانة وجنيف.

الأهرام

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com