التعاون الاقتصادي لمواجهة الإرهاب والتدخّلات – إرم نيوز‬‎

التعاون الاقتصادي لمواجهة الإرهاب والتدخّلات

التعاون الاقتصادي لمواجهة الإرهاب والتدخّلات

عبدالوهاب بدرخان

عندما يقدّر المعدّل العام للنمو في اقتصادات المنطقة العربية بـ2.6 في المئة فقط وحجم التبادل بـ10 في المئة من مجمل النشاط الاقتصادي والتجاري، فهذا يعكس أمرَين؛ الأول أن النمو في معظم البلدان هو أقل بكثير من هذا الرقم، والثاني أن اقتصادات المنطقة في أسوأ أوضاعها خصوصاً أن ستة بلدان تأثّرت كلّياً بفوضى التحوّلات التي أعقبت الانتفاضات الشعبية، فيما تأثرت بلدان عدة جزئياً وهي تمرّ بمرحلة ركود قاسٍ، وثمة دول منتجة للنفط تشهد مصاعب شديدة؛ فالعراق ينفق الكثير من موارده للخلاص من سيطرة تنظيم «داعش» على جزء من أراضيه، وليبيا غارقة في أزمة تبدّد ثروتها، أما الجزائر فتشهد تباطؤاً في التنمية.

لا شك أن هذا الواقع، الذي استعرضه المجلس الاقتصادي والاجتماعي عشية القمة العربية في البحر الميت، لا يقلّ أهمية عن القمة نفسها بل ينافسها، كونه يرتبط مباشرةً بما يمسّ حياة الناس على المستويَين الخاص والعام، ويُفترض أنه يخضع لسياسات حكومية لا تعاني من تدخّلات أو حواجز خارجية. وكلما طرح تطوير التعاون الاقتصادي، تحديداً على مستوى عربي، يتبيّن التقصير المزمن في بناء سياسات ومنظومات وفي متابعة تنفيذها واستكمالها، رغم وجود استراتيجيات واضحة بذل خبراءٌ عربٌ جهداً كبيراً لرسمها وفقاً لمعطيات واقعية. ولعل المأخذ الدائم على القمم العربية، بأنها غير ذات جدوى، يمكن أن يُعزى إلى الغلبة الدائمة للشؤون السياسية وأزماتها وخلافاتها التي يعتبر الرأي العام العربي أنها (القمم) نادراً ما نجحت في حلّها. وطوال مسيرة العمل العربي المشترك لم يتمّ التوصّل إلى الفصل بين مسارَي التعاون الاقتصادي والتوافق/ أو الخلاف السياسي.

طبعاً هناك تعقيدات بنيوية في إقامة منظومة اتفاقات اقتصادية، بسبب التفاوت الهائل بين موارد الدول وقدراتها وحيوية التنمية وفاعليتها فيها، لكن هذه عقبة يُحسن الخبراء التعامل معها طالما أن هناك صناديق عربية لا تزال تضخّ مساعدات وتتوصّل إلى إحداث تحسينات معيشية هنا وهناك. وطبعاً أيضاً ليس ما تقدمه هذه الصناديق كافياً، كما أن المشاريع التي نفّذت وتُنفّذ لم تتوصّل إلى تغييرات جذرية، ثم إن الجهد المحلي لمواكبة تلك المشاريع وتفعيلها لاحقاً لمراكمة المكاسب التنموية وتطويرها لم يكن دائماً بالمستوى المتوخّى.. لكن المؤكّد أن هذا البعد الاقتصادي الاجتماعي سيظلّ هو المعوَّل عليه إذا أريد أن يكون للعمل العربي شأنٌ وجدوى: أولاً لدعم الأمن القومي وإرساء مقوّمات الاستقرار، وثانياً لمواجهة الأعراض الخطيرة التي تمخّضت عنها هزّات «الربيع العربي» ولا تزال آثارها في المجتمعات، وثالثاً لبلورة بيئة داخلية مساعدة لترويض التدخّلات الخارجية ومعالجة القضايا السياسية الكبرى.

وعدا الأزمات الساخنة في سوريا واليمن وليبيا، كان وباء الإرهاب أحد الهواجس الرئيسية للقادة العرب في قمة البحر الميت، واللافت أن القرارات في المسارَين السياسي والاقتصادي شدّدت على أهمية رعاية الشباب، الذين يشكلون نحو 60 في المئة من المجتمعات العربية، كواحدة من المهمّات المطلوبة لمكافحة العنف والتطرف. هذا الوعي ليس جديداً، فالحكومات أصبحت مدركة أن الجماعات الإرهابية التي تستخدم خطاباً دينياً مسيئاً للإسلام تستغلّ خصوصاً انسداد الآفاق وضآلة الفرص المتاحة أمام الشباب غير المؤهّل والعاطل عن العمل. ما يستدعي أيضاً إيلاء اهتمام مضاعف بالتعليم والتأهيل والتدريب، جنباً إلى جنب مع إصلاح الخطاب الديني الذي تمكّنت تلك الجماعات من مصادرته وتطبيقه بأكثر الطرق تخلّفاً ووحشيةً.

لا خطأ في القول إن ظواهر العنف والتطرف ليست من قيم العرب والمسلمين، أو أنها غريبة عن مجتمعاتنا، ورغم صحّته إلا أنه لم يعد صالحاً أو كافياً لمواجهتها والحدّ من تغوّل هذه الجماعات واستسهالها إزهاق الأرواح وتدمير العمران وتعويق التنمية وإفساد الحياة العامة. ربما يحاجج البعض بأن هذه الظواهر وجهٌ من وجوه التدخّلات الخارجية وإحدى وسائلها، سواء كانت غربية (بالأحرى أميركية) تريد إبقاء الأخطار في «مهدها» لإبعادها عن أراضيها أو قريبة (بالأحرى إيرانية) تتوسّل الشحن المذهبي لإنتاج ميليشيات والتغلغل في مفاصل الدول، إلا أنها وجدت للأسف بيئة مؤاتية لاختراق المجتمعات العربية وتنفيذ مآربها. لذلك أصبح السبيل الوحيد للخلاص منها بتوحيد جهود الدولة والمجتمع طالما أنهما معاً الهدفان والضحيّتان للإرهاب، لكن كيف؟ لا ينبغي للدول أن تغرق كليّاً في المعالجة الأمنية، التي تبقى جزئية إذا لم تترافق بإصلاح اقتصادي وتنموي يجعل من المجتمع شريكاً مباشراً.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com