خشونة «القوة الناعمة»!

خشونة «القوة الناعمة»!

زياد الدريس

انتشر وطغى في الأدبيات الديبلوماسية خلال سنين ماضية مسمى (القوة الناعمة)، ثم ضمر ليحل بدلاً عنه ما كان أحد فروعه يوماً ما، وهي (الديبلوماسية الثقافية).

وقد أتاحت لي فرصة عملي في منظمة اليونسكو القرب كثيراً من نقاشات هذا المفهوم الجديد ومكاشفاته، داخل المنظمة وفي مؤتمرات خارجها.

ساهم في تنامي حضور وتأثير الديبلوماسية الثقافية عودة العالم بكافة أطيافه وتوجهاته إلى (جدال الهوية) القديم، والانتكاس الملفت إلى الهويات الصغرى، بل واحتدام معظم الصراعات المعاصرة حول هذه الهويات العنقودية.

لكن السؤال الذي بدأ يحضر أخيراً، هو هل ما زال للقوة الناعمة أو الديبلوماسية الثقافية مكاناً في هذا العالم، بعد موجة تنامي اليمين المتطرف، الذي لا يؤمِن كما يظهر من خطاباته وقراراته، إلا بديبلوماسية (القوة الخشنة)؟!

هناك بالطبع تزامُنٌ شبه أزلي بين الخطاب اليساري والديبلوماسية الناعمة أو الثقافية، جعل هذه الأخيرة تنمو وتزدهر إبان الحرب الباردة. لكن (اليمين) الذي يتحكم في مزاج العالم الآن لا يمكن أن يسمح لأدوات (ناعمة) أن تدير العلاقات الدولية في حقبتها الخشنة الراهنة.

هل هذه دعوة للتخلي عن الديبلوماسية الناعمة بكامل أطرها وأدبياتها؟!

لا، لكنها دعوة لإعادة النظر في الجرعة التي تحتاجها الديبلوماسية المعاصرة من النعومة، وما ينبغي خلطه معها من الخشونة اللازمة والملحّة للأسف!

من جانب آخر، فإن الأثر الذي تصنعه منافذ الديبلوماسية الشعبية بات يفوق، وفي شكل كبير أحياناً، أثر الديبلوماسية الرسمية. ولذا تكاثرت في معظم دول العالم مؤسسات المجتمع المدني التي تعنى جهودها الديبلوماسية بتغطية هذا الفراغ الثقافي بين المجتمعات، وتجسير الفجوة الناتجة عن سوء فهم يؤول إلى سوء تفاهم بين المجتمعات، ثم بالتالي بين الدول.

لكن بعض الدول تغفل عن أن الديبلوماسية الشعبية التي تأتي عبر مؤسسات تنشئها وترعاها الحكومة، بل «وتلتصق بها كأنها توأم سيامي!» تصبح ذات تأثير قليل ومفعول ضئيل، بسبب فقدها لصدقيتها الشعبية الخالصة.

في فرنسا، وفي منظمة اليونسكو كانت تردنا منشورات أو بيانات أو دعوات لحفلات موسيقية أو لمعارض عن الفن الفارسي العريق، ولا تكاد تجد اسم أو رائحة الحكومة الإيرانية في المناسبة، على رغم أن استقصاء بعض الأجهزة (المختصة) يؤكد أن المؤسسة الإيرانية الرسمية هي التي تقف خلف هذا النشاط وتموّله وتوجّهه، لكن دونما أي بروز أو ظهور لها، أو عبارات دعائية معلقة في بهو الاحتفال!

ديبلوماسيتنا الشعبية بحاجة ماسة إلى:

توسيع مداها أولاً.

وإلى إعطائها حرية كافية، ولا أقول مطلقة.

وإلى تنسيق إطارها العام في ما بينها، لكن من دون التدخل في التفاصيل والمضامين.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com