كيف ارتبط اسم فيتالي تشوركين بالسعودية؟

كيف ارتبط اسم فيتالي تشوركين بالسعودية؟

المصدر: د. سامي عمارة

قليلٌ من الصحفيين الأجانب العاملين في موسكو، يدرك القيمة الحقيقية لممثل روسيا الدائم في الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، الذي فارق الحياة من على مقعده في مكتبه الاثنين.

بدأ تشوركين تاريخه المهني مترجما في العام 1974، وذلك بعد تخرجه في معهد العلاقات الدبلوماسية التابع لوزارة الخارجية السوفييتية، حتى انتقل إلى العمل في سفارة بلاده لدى الولايات المتحدة من موقعه كسكرتير ثان في العام 1982 .

وبعد فترة لم تطل كثيرا من العمل بمقر سفارة الاتحاد السوفييتي في واشنطن، عاد تشوركين إلى موسكو للعمل مع اناتولي دوبرينين سفير الاتحاد السوفييتي في الولايات المتحدة، من خلال القسم الدولي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي في عام 1987 وحتى 1989.

لكن الدبلوماسي الروسي سرعان ما عاد إلى ”مؤسسته الأم“، للعمل في مكتب وزير الخارجية السوفيتية ادوارد شيفرنادزه مترجما وسكرتيرا صحفيا، ومن هنا كانت بداية معرفتنا  بالدبلوماسي الألمع التي توَّجتها ”واقعة عاصفة“، تعود إلى تاريخ إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفييتي والسعودية.

في أيلول/ سبتمبر من العام 1990، وفي موسكو التي وفد إليها وزير خارجية السعودية الأمير سعود الفيصل، في مهمة رسمية للإعلان عن اتفاق البلدين حول إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما بعد انقطاع دام ما يزيد عن الأربعين عاما.

وصل الأمير سعود الفيصل يرافقه وفد صحفي رفيع المستوى، يضم أربعة من أشهر صحفيي المملكة، وهم تركي السدير رئيس تحرير صحيفة الرياض، وعثمان العمير رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط، وعبده هاشم العطا رئيس تحرير صحيفة عكاظ، وخالد المعينا رئيس تحرير صحيفة عرب نيوز الناطقة بالإنجليزية.

وكان مقررا بعد لقاء الرئيس السوفييتي ميخائيل جورباتشوف مع الأمير الفيصل في الكرملين، والاتفاق حول الإعلان عن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، استقبال وزير الخارجية السوفييتية ادوراد شيفارنادزه للصحفيين السعوديين للحديث معهم بهذه المناسبة التاريخية.

 كانت صحيفة الشرق الأوسط آنذاك، استبقت هذه المناسبة بافتتاح أول وآخر مكتب لها في موسكو، تشرفت برئاسته في 1990 وحتى إغلاقه مع مطلع القرن الحالي، ومن ثم كان علينا مرافقة الوفد الصحفي السعودي إلى الخارجية السوفييتية.

ولكم كانت تلك مهمة بالغة الحرج والصعوبة، فاللقاء المرتقب مع أحد أشهر القيادات السوفييتية والعالمية ادوارد شيفارنادزه، الذي كان آنذاك اسمه ملء السمع والبصر، والمشاركون فيه أربعة من أشهر الصحفيين السعوديين والعرب، ممن يصعب توجيه أو ضبط تحركاتهم، ولنقرن كل ذلك بالالتزام بالموعد المحدد للقاء في مقر وزارة الخارجية السوفييتية، وهو التزام -لو تعلمون- عظيم.

لأسباب واهية لا دخل لنا بها، وصلنا إلى مبنى وزارة الخارجية السوفيتية متأخرين لما يزيد عن نصف الساعة عن الموعد المحدد ، حيث كان ينتظرنا عند مدخله الرئيس في قلب العاصمة العظيم فيتالي تشوركين، لمرافقتنا إلى مكتب الوزير شيفارنادزه، من موقعه كسكرتير صحفي للوزير.

لم يكن الصديق تشوركين الذي صرنا نخاطبه فيما بعد بفيتالي ايفانوفيتش، قد تولى بعد منصبه الذي انطلق منه إلى رحاب الدبلوماسية العالمية، وهو رئيس إدارة الصحافة والإعلام لدى الخارجية السوفييتية ثم الروسية، قبل انتقاله في عام 1994 إلى المراتب الأسمى مبعوثا شخصيا للرئيس الروسي في البلقان، ثم سفيرا لبلاده في عواصم مختلفة منها بلجيكا وكندا، وحتى تقلده منصبه الأشهر، المندوب الدائم لروسيا في الأمم المتحدة اعتبارا من 2006 وحتى رحيله في الـ 20 من شباط/فبراير الجاري.

 آنذاك وما أن رآنا تشوركين حتى انفجر ساخطا، وإن حرص بابتسامات واضحة المغزى والدلالة، ومفردات حرص على انتقائها بدبلوماسية بارعة، على تغليف هذا السخط بما يليق بجلال المناسبة.

رافقنا العظيم تشوركين حتى مقر اللقاء مع الوزير شيفاردنادزه، وهو التاريخ الذي اعتبرته البداية الحقيقية لتعارفنا المهني الذي دام لسنوات طويلة، كان لنا خلالها نعم العون والصديق، وأحيانا المعلم والأستاذ الذي طالما حاول التخفيف من وقع خطايا قياداته في دروب السياسة العالمية.

فبعد تولى تشوركين رئاسة إدارة الصحافة والإعلام التي ارتبطنا بها ولا نزال، كان لنا الكثير من اللقاءات داخل روسيا وخارجها، في إطار الزيارات الرسمية لبوريس يلتسين أو لوزير الخارجية الروسية حينها، وكان آنذاك أندريه كوزيريف غير المأسوف عليه بسبب ما أتت يداه من أضرار نالت من وقار الدولة وقيمة الدبلوماسية الروسية، باعتراف الكثيرين من ممثلي هذه المؤسسة العريقة.

وعلى الرغم من مأساوية تلك الفترة، فقد استطاعت الدبلوماسية الروسية تحجيم أضرارها الكارثية بفضل شخصيات تدين لها روسيا اليوم بالكثير، ومن هؤلاء فيتالي تشوركين وسيرجى لافروف وزير الخارجية الحالي الذي سبق تشوركين في منصب المندوب الدائم لبلاده في الأمم المتحدة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com