الخلافات مع إيران ليست مجرّد «سوء فهم»

الخلافات مع إيران ليست مجرّد «سوء فهم»

عبدالوهاب بدرخان

كلما أراد مسؤول إيراني أن يتحدث عن العلاقات مع العرب تراه يتخذّ صفة المستغرب أسباب توتّرها، بل يبدو حائراً ومتعجّباً في محاولة الإجابة، كأن الموضوع مبهم أو جديدٌ عليه، أي أنه لا يرى سبباً للخلاف أو التباعد، وفي أسوأ الحالات فإنه لا يجد في ممارسات الحكم والحكومة في بلاده ما يستوجب العداء، بل يكاد على العكس يعتمد لهجة المظلومية التي لا تلبث أن تتحوّل لوماً للآخرين الذين ينكرون إنجازات «الجمهورية الاسلامية» ويتنكّرون لـ«أفضالها» على المنطقة وشعوبها! وفي بعض الأحيان، وليس في كلّها، توفّر تصريحات الرئيس الاصلاحي وتغريدات وزير خارجيته أفضل تعبير عن هذا الموقف المستهجِن، فيُفهم منها أن الخلافات محض اختراع عربي، لا أساس له على أرض الواقع. والدليل في نظرهم أن إيران لا تنفّك تدعو إلى الحوار ولا تُستجاب.

قبيل زيارتيه إلى مسقط والكويت وصف الرئيس حسن روحاني ما هو حاصل بأنه «سوء فهم» تجب معالجته، ولابدّ أنه يعني سوء فهم من جانب واحد هو العربي الذي أخطأ على الدوام في فهم سلسلة متلاحقة من الأحداث طوال عقدَين، وكذلك المواقف التي يطلقها مرشد الجمهورية ومستشاروه وعدد من قادة «الحرس الثوري»، واستطراداً الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني وبعض قادة «الحشد الشعبي» العراقي أو جماعة الحوثيين اليمنية. فهؤلاء جميعاً جهدوا واجتهدوا لتوضيح ما استشكل في أذهان العرب، شارحين مخطّطات «الجمهورية الإسلامية» ونياتها ومشاريعها، أما الجانب الآخر ففهم كل ما قيل له خلافاً لما تقصّده الشارحون.

لكن ماذا عن شكوى دول مجلس التعاون الخليجي ومطالباتها المتكرّرة بالكفّ عن التدخّل في شؤونها الداخلية، هل أحسنت إيران سماعها وفهمها أم أدارت لها الأذن الصماء؟ لعل أفضل جواب هو ما ردّده وزير الخارجية السعودي، كلّما سئل عن موقف المملكة من الدعوات الإيرانية إلى الحوار، بقوله إن إيران تعرف «ما المطلوب منها»، ليكون هناك حوار. نعم، هي تعرف، ومنذ زمن، بل قبل أن تطلب من أتباعها الحوثيين نصب منصات صاروخية على الحدود السعودية، وقبل أن تحثّهم على توجيه مقذوفاتهم نحو مكّة المكرّمة. وهي تعرف بالتأكيد قبل انتخاب الرئيس الإصلاحي وبعده، وقبل اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية وبعده، وقبل استغلالها فلول تنظيم «القاعدة» التي تؤويها وبعده، وخصوصاً قبل تصنيع تنظيم «داعش» وبعده، وقبل حديثها عن «العواصم الأربع» لـ«إمبراطوريتها» وبعده.

لكنها مضت في مآربها التي أصبحت نتائجها واضحة المعالم: خراب في سوريا والعراق واليمن، دأبٌ على استهداف للبحرين، استلابٌ للدولة والمؤسسات في لبنان، ورعايةٌ لأكبر انقسام يشهده الشعب الفلسطيني في تاريخه مع ما يعكسه على قضيته في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، تهميشٌ للجيوش الوطنية لمصلحة ميليشيات مذهبية، تمزيقٌ للمجتمعات المسلمة على وقع شحن طائفي غير مسبوق، وتوظيفٌ محموم للإرهاب وجماعاته… لا يشكّل ذلك كلّه مجرّد كمٍّ هائلٍ من «سوء الفهم» بل سلسلة طويلة من الوقائع الناتجة عن سياسات سيئة الأهداف والمرامي تواصل المجتمعات والحكومات العربية عيش نتائجها الكارثية وينبغي أن تتحمّل تبعاتها المستقبلية من أمنها وأمانها واستقرارها.

كانت إيران استبقت المفاوضات اليمنية في الكويت برسالة إلى الحكومة الكويتية تطلب فيها من دول الخليج الشروع في حوار، وبعدما دُرِست الرسالة فوّض قادة الخليج إلى الكويت نقل تصوّرهم إلى طهران. ولتشجيع الخليجيين على قبول دعوتها، عمدت إيران -كمقدّمات للحوار- إلى مضاعفة أعداد ميليشياتها في سوريا لخوض معركة حلب، فيما ارتكب «حشدها» العراقي الكثير من الجرائم والانتهاكات ضد المدنيين، كما أن حوثيّيها تعنّتوا في المفاوضات معطّلين أي تقدّم نحو حلٍّ سياسي. كان بإمكانها، على سبيل المثال، أن تنصح انقلابيي اليمن بالتفاوض جدّياً وصولاً إلى اتفاق، أو أن تدعم مساعي «المصالحة الوطنية» في العراق لمواجهة استحقاقات «ما بعد داعش»، ولكنها لم تفعل.

كان هدف إيران من «الحوار»، ولا يزال، نيل الاعتراف بما انتزعته من نفوذ. وبدا باراك أوباما كأنه يساعدها حين حضّ على «حوار على تقاسم النفوذ». إلا أن دول الخليج وبالأحرى السعودية لا تبني سياساتها الإقليمية على مفاهيم الهيمنة والنفوذ، ولا تتبنى سياسات عدوانية أو تدخّلات في شؤون الآخرين كعنوان لحسن الجوار. أي أنها غير معنيّة بمطامع إيران وأوهامها ولكنها بالتأكيد ترفضها. وإذا كان للحوار أن يتمّ فلابدّ من خطوة أولى تبرهن بها إيران على رغبتها في فتح صفحة جديدة بالإقلاع تماماً عن نهج التدخّلات («تصدير الثورة») في الخليج أولاً. وهذه نقلة استراتيجية ضرورية، والقرار فيها للمرشد لا لروحاني.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com