هذه هي المسألة!

هذه هي المسألة!

الياس الديري

ليست المسألة اللبنانيّة في جوهرها مسألة قانون انتخاب واختلاف على ”شخصيّة“ هذا القانون وأسمائه واتجاهاته، بل انها مسألة وطن وشعب ودولة وطوائف ودويلات.

لقد تفسَّخ الوطن عشية نشأته. وهزلت الدولة بعدما عشَّش فيها الفساد وأهله. وانفرز الوطن شعوباً غير متناغمة تنتمي في قرارها إلى مصالحها وطوائفها. فالمصلحة الوطنية أضحت وهماً، والأصح بقيت وهماً. لم يتكوَّن سوى على الورق، وفي الأغاني والزجليات.

خسرنا ذلك الحلم الذي كان يصوِّر لنا أننا نناضل في سبيل وطن يُدعى لبنان، ومن أجل شعب ينتمي إلى هذا الوطن. لبنان الواحد الموحّد، لبنان الدولة، لبنان النظام، لبنان الرسالة…

فإذا بالحقيقة تنصحنا أن نعي. لقد تبدَّدت تلك الأحلام والأوهام. والواقع التشرذمي العميق الصادم هو الحقيقة الوحيدة الصادقة…

صحيح أن الفراغ في المركزين الأساسيّين قد أمتلأ أخيراً، إلّا أنه لا يزال على ما كان حاله في سني الفراغ، وقبلها خلال سني الانقسامات والشرذمة وأحقاد حروب الخمسة عشر عاماً.

تمَّت زيارات، وتبودلت تفاهمات ووعود، وصار كلام كثير ومتشعَّب مع السعودية والكويت وقطر، ودول أخرى كبيرة وصغيرة. ولكن، لم يطرأ جديد. لم يتغيَّر شيء سوى اتساع رقعة الخلاف على قانون انتخاب لم يُكتب نصّه بعد، مع اتساع رقعة التناقض حول اسم القانون ونصُّه، ولمصلحة أيّة فئة تميل كفّته. وهيهات…

مَنْ يدري، فقد يتحوَّل الخلاف على القانون ”الوهمي“ نوعاً آخر من الفراغات، ليكون فوق الدَكِّة شرطوطة.

أمّا بالنسبة إلى القضايا الأساسيّة، من اقتصادية وتجاريَّة وحياتيّة ومعيشيّة، مروراً بالهجرة الشبابيَّة الكثيفة، والجمود الذي يتحكَّم بكل المؤسَّسات والأسواق، بلوغاً حكاية مئات آلاف الشقق والمنازل الفارغة، ناهيك بالمشاريع التجارية والسياحيَّة و…

أمّا بالنسبة الى فرص العمل وآلاف المتخرّجين الجامعيّين في مختلف الحقول والاختصاصات، فسل الطائرات المسافرة عبر البحار وفي أربع رياح الأرض.

فلبنان اليوم، في هذا الوقت تحديداً، وفي هذه الظروف التي نقّزت كل الذين تحمَّسوا لانتخاب رئيس للجمهوريَّة، تجد العديد من مؤسّساته الكبرى والتاريخيّة غارقة في ورشة صرف أعداد هائلة من موظّفيها… تحت وطأة الجمود الذي ازداد ضغطه بعد صدمات متتالية، دفعت معظم المتحمّسين للزيارة أو العودة لفكّ أحزمة الحقائب واعادة الثياب والأمتعة إلى خزائنها…

وأمّا المقيمون مع الهموم الدائمة، فقد أعادوا النظر بدورهم في كل تفاؤلاتهم وتوقُّعاتهم.

بلد عاجز عن صياغة قانون انتخاب، ماذا تنتظر منه وله؟ هذه هي المسألة؟

النهار

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com