فرنسا.. ووباء التلوث والفساد

فرنسا.. ووباء التلوث والفساد

حازم صاغية

إذا صح القول، إن المال بات عنصر الإفساد الأول للحياة السياسية في البلدان الديمقراطية المتقدمة، وإنه أكثر ما يحول الشعبويين إلى سياسيين وقادة، فهذا ما تقدم فرنسا لوحة ساطعة عنه.

صحيح أن الأمر ليس فرنسيّاً، فهذا ما كشفته دولة كالولايات المتحدة الأميركية بانتخابها دونالد ترامب رئيساً للجمهورية. وحتى في أوروبا نفسها، كان رئيس الحكومة الإيطالي السابق سيلفيو برلوسكوني سبّاقاً زمنيّاً، كما أنه قطع في الفساد والعدوان على القوانين شوطاً لم يقطع مثله سياسي آخر. وهذا حتى لا نذكّر بساسة إيطاليين آخرين تورطوا على نحو أو آخر بعلاقات مشبوهة مع المافيا: يصح ذلك في الزعيم المسيحي الديمقراطي جوليو أندريوتي كما يصح في الزعيم الاشتراكي بتينو كراكسي، والاثنان رئيسا حكومة سابقان.

مع هذا، فالسياسة الفرنسية اليوم هي المسرح الأعرض لخليط الفساد والتفاهة.

قبل أربع سنوات، حينما حالت الانتخابات الرئاسية دون التجديد للرئيس الديغولي نيكولا ساركوزي تنفّس كثير من الفرنسيين الصعداء، معتبرين أن زمن الفساد قد ولّى، ولكن بانتخاب الاشتراكي فرانسوا أولاند رئيساً للجمهورية، حققت العادية انتصاراً يصعب القول إنه الرد المنطقي على الفساد. ولأن كافة استقصاءات الرأي العام قالت إن أولاند أقل رؤساء فرنسا شعبية منذ قيام الجمهورية الخامسة، استنكف الرئيس الحالي عن الترشح والتجديد لنفسه، وهو أمر نادر في التاريخ السياسي الفرنسي.

وحين بدا أن الحزب الجمهوري الديغولي قد يتبنى رئيس الحكومة السابق «ألان جوبيه» كمرشح رئاسي له، عاد شيء من الاطمئنان إلى القطاعات الفرنسية الأشد برَماً بالفساد والتفاهة. فهو يعيد الاعتبار إلى السياسة وتقاليدها، كما يعيد الاعتبار إلى الديمقراطية الليبرالية قبل أن تنخرها سوسة النيو- ليبرالية. وفوق هذا، فـ«جوبيه» ترفّع عن شراء العواطف الرخيصة عبر اللعب على أوتار العنصرية والعداء للإسلام وكراهية الأجانب والمهاجرين.

ولكن الفرحة لم تكتمل، فالحزب الجمهوري، الذي استبعد عودة ساركوزي، لم يتحمس لترشيح «جوبيه». لقد اختار بدلاً عنه رئيس حكومة سابقاً آخر هو فرانسوا فيُّون. وللتو بدأت ترتسم لفيُّون صورة المخلِّص الذي سيُخرج فرنسا من أزمتها الاقتصادية، وينهي تأخرها التقني المزمن والمتراكم، ولكنْ قبل هذه الصفات جميعاً، رُكّز على ملمح آخر من ملامح فيُّون: أخلاقيته التقليدية الصارمة التي تشرب من مياه القيم الريفية والورع الكاثوليكي. وبينما راحت التقديرات كلها تشير إلى أن هذا النجم الصاعد هو وحده الذي سيهزم مارين لوبين، زعيمة «الجبهة الوطنية» شبه الفاشية، في الدورة الانتخابية الثانية، إذا بالفضيحة المطنطنة تتصدر أخبار الجرائد والتلفزيونات ووسائط التواصل الاجتماعي. فزوجة فيُّون وأبناؤه -تبعاً لتلك الفضيحة- تلقّوا في السنوات الماضية أجوراً بلغ مجموع قيمتها 900 ألف يورو، من دون أن يقوموا بأي عمل!

ولئن بقي فيُّون ينفي ما أوردته الفضيحة، معتبراً أن خصومه اختلقوها لأسباب سياسية أهمها تحطيمه كمرشح رئاسي، فإن كافة استقصاءات الرأي العام صارت تؤكد أنه فقد الكثير من شعبيته، وأنه إذا ما مضى في الترشح، فإنه حتماً لن يصل إلى الدورة الثانية في مواجهة لوبين.

بيد أن الأخيرة هي أيضاً موضع اشتباه، وإن كان دويّ فضيحتها لا يزال يقل عن دوي فضيحة فيُّون. فهي كذلك أساءت استخدام قرابة 300 ألف يورو تعود إلى البرلمان الأوروبي، بأن أنفقتها على شكل أجور لبعض الناشطين في حملتها الانتخابية، فضلاً عن أحد حرّاسها الشخصيّين. وفيما طُلب منها أن تعيد الأموال، لا تزال زعيمة «الجبهة الوطنية» ترفض ذلك.

وهذا العالم الموبوء هو الذي يفسر الصعود المفاجئ لوزير الاقتصاد السابق إيمانويل ماكرون. فهذا الشاب غير المجرب إلا قليلاً، وغير الآتي من بيئة سياسية وحزبية، قد يتحول إلى صاحب الحظ الأوفر، بالضبط لأنه غير مجرب كثيراً وغير سياسي أصلاً!

حازم صاغية

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com