مشاورات استانة وموسكو وتحديد ملامح التسوية السورية – إرم نيوز‬‎

مشاورات استانة وموسكو وتحديد ملامح التسوية السورية

مشاورات استانة وموسكو وتحديد ملامح التسوية السورية

سامي عمارة

كشفت احداث مؤتمر آستانة حول الأزمة السورية وما بعدها، عن انها كانت في صدارة اسباب المصالحة «التاريخية» بين الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب اردوغان بعد تقديمه اعتذاره عقب اسقاط بلاده للقاذفة الروسية، في نفس الوقت الذي راحت فيه موسكو تعتمد اكثر على تركيا في جهودها من اجل احتواء الوضع المتفجر شمال غربي سوريا، دون التفريط في ايران، وإن بدت اكثر تحفظا في علاقاتها معها عن ذي قبل.

واذا اضفنا الى ذلك ما يتوالى من تطورات وتحركات في الساحة الدولية، ومنها ما كشفت عنه المكالمة الهاتفية بين الرئيسين بوتين ودونالد ترامب، فاننا نكون امام واقع مغاير تشى ملامحه بكثير من الامل في وضع حد لما تشهده المنطقة من كوارث واهوال.

لم تكد جولة مشاورات آستانة التي استمرت على مدى يومي 23-24 يناير الجاري تشارف على نهايتها حتى جرى الاعلان عن دعوة سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية ممثلي المعارضة السورية لزيارة موسكو من اجل اطلاعهم على نتائج تلك المشاورات وتحديد ملامح العمل في الفترة المقبلة. وفيما توافد ممثلو غالبية الفصائل السورية ومنها مجموعات موسكو والقاهرة والاستانة وحميميم (معارضة الداخل السوري)، وكذلك ممثلو الاتحاد الديموقراطي الكردستاني للمشاركة في لقاء موسكو، غاب ممثلو مجموعتي الرياض – الهيئة العليا للمفاوضات، والائتلاف الوطني السوري، وهو ما كان موضع انتقاد شديد اللهجة من جانب وزير الخارجية الروسية الذي اتهمهم بـ»الهوائيين متقلبي الاطوار»، لكنه سرعان ما تحول الى ابلاغ الحاضرين بنتائج ما جرى في مشاورات آستانة واهمها اجماع الحاضرين من ممثلي المعارضة المسلحة بأن «لا حل عسكريا للازمة السورية».

ولم يغفل لافروف في هذه المناسبة انتقاد نشاط المبعوث الاممي ستيفان دى ميستورا، معربا عن استيائه بسبب مماطلته وتسويفه وعدم دعوته لعقد أي مشاورات أو مباحثات منذ ابريل الماضي. ومع ذلك فقد أعرب عن ارتياحه تجاه ان مشاورات الاستانة حفزت «الزملاء في الأمم المتحدة» على الدعوة لعقد مباحثات جنيف، وإن فاجأ الحاضرين باعلان خبر تأجيل موعد المباحثات المرتقبة في جنيف من الثامن من فبراير الى نهاية الشهر المقبل، على نحو يوحى بمسئولية المبعوث الاممي عن هذا التأجيل بما يؤكد ما سبق وقاله حول عدم اضطلاعه بمهام عمله، وتقاعسه منذ ابريل من العام الماضي كما اشرنا عاليه.

وتعليقا على «مسودة» الدستور السوري الجديد التي أعدها الخبراء الروس على ضوء نتائج لقاءاتهم واحاديثهم مع ممثلي كل الاطراف المعنية السورية، قال لافروف «ان بلاده لا تحاول فرض اقتراحاتها على احد»، فيما أكد عدم صحة مقارنة ما أعدته موسكو بمشروع الدستور العراقي الذي طرحه ممثل الادارة الامريكية بول بريمر في العراق. واكد ذلك في قوله «إن ذلك موقف غير صحيح للغاية لأن الحديث في العراق دار عن المحتلين الذين وضعوا دستورا وفرضوه على الشعب العراقي دون إمكانية التوصل إلى أي حل وسط»، ثم خلص الى ان ما تطرحه موسكو هو «جملة من الافكار التي تستدعي التفكير فيها».

ومن اللافت ان احداث الايام الاخيرة كشفت عن «حلحلة» ملموسة في مواقف الكثير من ممثلي الفصائل السورية بما في ذلك المعارضة المسلحة. وكان محمد علوش رئيس المكتب السياسي لجيش الاسلام قد اعلن صراحة عن ارتياحه لمواقف موسكو التي قال انها انتقلت من موقع «الشريك المحايد» الى «دور الطرف الضامن الذي يحاول تذليل العقبات».

وفي هذا الصدد نشير الى تباين مواقف ممثلي المعارضة السورية تجاه ما يطرأ على مواقف الجانب الروسي من تغيرات وتحركات صوب التفاهم والتنسيق أكثر مع الشريك التركي، خصما من رصيد تقاربه مع ايران، بل وأيضا خصما من تأييده السابق للنظام السوري بعد ان صار يخشى «شطحاته» التي تتبدى من آن لاخر بدعم غير مباشر من جانب ايران، ولا سيما عقب تحقيق الانتصارات.

ويري الباحث في معهد الشرق الأوسط المستشرق فلاديمير أحمدوف أن المصاعب التي تواجهها العلاقات الروسية-الإيرانية في سوريا يمكن حلها في لقاء بين الرئيس الروسي بوتين والزعيم الإيراني آية الله علي خامنئي، والتوصل إلى اتفاق على أعلى المستويات. وقال احمدوف إنه «أصبح من الضروري الاتفاق مع إيران، التي تسللت إلى الأنسجة الحية للنزاع السوري»، فيما حذر من أن يؤدي غياب هذا الاتفاق إلى توسيع الخلافات بين إيران وروسيا في المرحلة المقبلة.

على انه قد يكون من غير الصحيح اعتبار ان الرعاة الثلاثة توصلوا الى النتيجة المرجوة بدون مشاكل او تعرجات. صحيح انهم استطاعوا ومعهم المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا «اجلاس» ممثلي المعارضة المسلحة الى «المائدة المستديرة» للحوار في قاعة المشاورات مع الوفد الحكومى السوري، الا انهم لم يستطيعوا ارغام اي منهم على اجراء اي حوار مباشر مع الآخر، او حتى التوقيع على البيان الختامي لمشاورات الاستانة. كما لم يخل الامر من تراشق اعلامي وسجال،

وفيما كانت موسكو تواصل مشاوراتها مع كل الاطراف المعنية من اجل وضع مقررات الاستانة حيز التنفيذ، واعداد القوى السورية لمباحثات جنيف، فاجأ الرئيس الامريكي ترامب الداخل والخارج باعلانه عن عزمه على «اقامة المناطق الآمنة في سوريا والدول المجاورة لها» بغير التشاور مع اى من الاطراف المباشرة، وقبل أي اتصال مع نظيره الروسي بوتين، بل وقبل معرفة من سوف يعهد اليه من أعضاء ادارته التي لم يفرغ من تشكيلها بعد، بتنفيذ هذه المبادرة، او مناقشتها مع من يملك اليد العليا في المنطقة، فضلا عن التساؤلات التي تتناقلها الالسنة حول أبعاد وتبعات ما يتردد حول ان الادارة الامريكية الجديدة تفكر في احتمالات رفع العقوبات المفروضة على موسكو.

وقد استبق دميتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين اول مكالمة هاتفية يجريها الرئيس بوتين مع نظيره الامريكي دونالد ترامب مساء السبت الماضي منذ تقلد الاخير رسميا مهام منصبه في البيت الابيض، باعلان ان الرئيسين سوف يتطرقان وبطبيعة الحال الى قضايا العلاقات الثنائية ومسألة مكافحة التنظيمات الارهابية التي ذكر منها «داعش». وكان ترامب توقف عندها تحديدا في كل تصريحاته التي ادلى بها قبل وبعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة. وقالت المصادر الروسية ان الأزمتين الأوكرانية والسورية لا بد ان تكونا الى جانب مكافحة الارهاب في صدارة القضايا التي يتمحور حولها اهتمام الرئيسين.

وذلك تقريبا ما كشف الكرملين لاحقا عن انه كان في صدارة اهتمامات الرئيسين. وقالت مصادر الكرملين ان الرئيسين «اكدا عزمهما على العمل سوية من أجل استقرار وتطوير العلاقات الروسية الامريكية على أساس بناء ومتكافئ يقوم على المنفعة المتبادلة». واضافت ان حديث الرئيسين تركز حول الاخطار والتحديات الرئيسية التي تتمثل في «مكافحة الارهاب الدولي وتنسيق جهود البلدين حول سحق تنظيم الدولة الاسلامية والمنظمات الارهابية الاخرى في سوريا». ومضت لتشير الى ان الرئيسين تطرقا في حديثهما ايضا الى القضايا الدولية الهامة ومنها الاوضاع في الشرق الاوسط والنزاع العربي الاسرائيلي والازمة الاوكرانية، والموقف من البرنامج النووي الايراني والاوضاع في شبه الجزيرة الكورية. وخلص الرئيسان الى الاتفاق حول دوام الاتصالات الدورية فيما بينهما، وتكليف فريقيهما من أجل العمل على تحديد زمان ومكان لقائهما في وقت لاحق…. وإن غدا لناظره قريب.

الأهرام

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com