بين التقارب مع روسيا ومواجهة «الإسلام الراديكالي»

بين التقارب مع روسيا ومواجهة «الإسلام الراديكالي»
Russian President Vladimir Putin delivers a speech during his annual state of the nation address at the Kremlin in Moscow, Russia, December 1, 2016. REUTERS/Maxim Shemetov

عبدالوهاب بدرخان

بدأ الوزراء الذين رشّحهم الرئيس المنتخب دونالد ترامب لإدارته يبثّون شيئاً من الواقعية في التوجّهات السياسية لرئيسهم، غير أنهم أكدوا تطابق وجهات النظر بينه وبينهم. ولعل البلبلة التي أحدثتها التقارير الاستخبارية عن تجسس روسيا على الانتخابات الأخيرة وعلى ترامب شخصياً، ساعدتهم أو اضطرّتهم لإعادة صياغة مواقفهم من موسكو، مع تأييدهم للحوار معها. ولا أحد يستطيع اليوم تصوّر حوار كهذا إذا واصلت التقارير كشف المزيد من المعلومات المحرجة للرئيس بعد تسلّمه مهماته. كما أن التقارب الذي تعامل معه الكرملين كأنه أصبح في متناول اليد، سيكون أصعب مما تخيّله بعد تأكيد المرشّحين للدفاع والخارجية والـ«سي آي إي»، في إفاداتهم أمام لجان الكونغرس، أن روسيا في طليعة التحدّيات والأخطار.

هل في ذلك عودة إلى السياسة الأميركية التقليدية، أو حتى إلى توجّهات إدارة باراك أوباما؟ في أي حال، تتناقض تلك المواقف مع ما صرّح به ترامب، مرشحاً ورئيساً منتخباً، ولا يمكن أن تكون مجرّد محاولة لاسترضاء جمهوريي الكونغرس. كان أوباما بدأ عهده أيضاً بعروض للتقارب مع موسكو، وانخرط معها في اتفاقات لخفض التسلح النووي وفي مشاريع تعاون بعيدة المدى، لكن ما استطاع إنجازه مع ديمتري ميدفيديف ما لبث فلاديمير بوتين أن أوقفه، ثم نسفه، مطالباً بالحدّ من «أطلسة» الدول الأوروبية (الاشتراكية سابقاً) ومراجعة أو إلغاء منظومة الصواريخ الدفاعية. ولما كانت أوكرانيا موضوع تجاذب بين روسيا ودول «الناتو»، فإن تفجّر أزمتها (فبراير 2014) وسقوط نظامها القريب من موسكو تحت ضغط حراك شعبي، دفعا بوتين إلى أقصى التصلّب، أولاً بضمٍّ سريع لشبه جزيرة القرم ودعم عسكري لانفصاليي شرق أوكرانيا، ثم بوقف التشاور مع واشنطن في شأن سوريا، وعندما طلب الأميركيون استئناف هذا التشاور (مايو 2015) ربط بين الأزمتَين آملاً بمساومة ترفع العقوبات الغربية (بسبب أوكرانيا) مقابل خفض دعمه للنظام السوري، أو بصفقة شاملة تتناول مطالبه الدفاعية وتقاسم النفوذ في أوكرانيا وحلاً سياسياً في سوريا.

ما حصل هو أن بوتين رأى نفسه في نهاية عهد أوباما محمّلاً بالأزمتَين وبالعقوبات بل حتى بتشديدها، ولم يجد سوى تدمير حلب سبيلاً إلى إظهار قوته وتلميع زعامته، لكنه وجد أيضاً في دعمه ترشيح ترامب والرهان عليه «انتصاراً» آخر لم يشأ أن يسلّط عليه الكثير من الأضواء قبل تنصيب الرئيس الجديد واتضاح توجّهاته. والمفارقة أن التحليلات التي عزت صعود بوتين وزعامته المتنامية إلى «ضعف أوباما» ترافقت مع الحديث عن «قوّة ترامب» وعزمه المؤكّد على التقارب مع بوتين. وكان الأكثر إثارة للتساؤل أن العناصر المحتملة لهذا التقارب تنطوي جميعاً على تغييرات أو انقلابات ترامبية قد تُفقد أميركا قوتها أو تقلّص هيبتها في حال تخلّت عن حلفائها الأوروبيين، أو تنازلت في أوكرانيا، أو تركت كل الملف السوري وتشابكاته الشرق أوسطية لعناية «الصديق» الروسي.

في أكثر من نقطة قد تلتقي سياسات ترامب مع سياسات أوباما، وستفترق طبعاً في مجالات عدّة كانت فعلاً نتيجة تردد الرئيس المنتهية ولايته وضعفه. فالأخير باشر مغادرة متهوّرة للشرق الأوسط وهو منخرط في حرب على الإرهاب تتطلّب حضوراً لاحقاً للتعامل مع تداعيات «ما بعد داعش». وهو أيضاً من بادر إلى تسليم الملف السوري إلى روسيا. ثم إنه راهن كثيراً على إيران، فخصّص المفاوضات ثم الاتفاق النووي معها من أجل اجتذابها، متغاضياً عن كل تدخّلاتها التخريبية، ومجازفاً بتقويض العلاقات الأميركية الخليجية. وبعدما فشل في هدفه لم يعمل على تصحيح الأخطاء والتوازنات، بل الأهم أن إيران كانت طوال الوقت في حال تحالف مع روسيا.

هناك توقّعات كثيرة الآن بأن إدارة ترامب قد تعمل على ترميم العلاقات مع دول الخليج، وبأنها تريد احتواء إيران وتسليط الضوء على دعمها للإرهاب. سيشكّل هذا، إذا حصل، أحد أهم التمايزات الرئيسية عن سياسات أوباما، خصوصاً أن وزير الخارجية المرشّح ريكس تيلرسون وصف المواجهة المقبلة بأنها ستكون ضد «الإسلام الراديكالي»، معتبراً أن «داعش» و«القاعدة» وجماعة «الإخوان المسلمين» خطر كبير على الاستقرار العالمي. أما مشروع القانون الذي اقترحه القطب الجمهوري تيد كروز فيطالب بضم «الحرس الثوري الإيراني» و«الإخوان» إلى لائحة المنظمات الإرهابية، وسيكون من الضروري لاحقاً أن تضاف ميليشيات «الحشد الشعبي» العراقية. لا شك في أن إقلاع الدول الكبرى عن استخدام الإسلام الراديكالي يشكّل بداية صحيحة في مكافحة الإرهاب، لكن هل انتفت حاجة هذه الدول إلى الإرهاب؟ لا شيء مؤكّداً.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com