كأنَّ الفراغَ ما كان…

كأنَّ الفراغَ ما كان…

الياس الديري

كمثل العائد من عطش قديم، من صحراء قاحلة، من حرمان مزمن مرهق، هكذا ينظر اللبنانيّون المقيمون والمهاجرون إلى فسحة الأمل والانفراج، إلى عهد الرئيس ميشال عون وحكومة الرئيس سعد الحريري. كل الأفكار والاحتمالات السوداء كانت تُراود الكبار قبل العاديّين من الناس. فجأة أُضيئت شمعة. فجأة جَلَت الغيوم والأفكار والاحتمالات المتشائمة. الجميع يعلمون أن عمر حكومة الحريري بالأشهر حتماً وأكيداً. وأمامها مهمّة ملحَّة في منتهى التعقيد، تحمل أوزار وتعقيدات قانون الانتخاب الذي لا يزال قيد التداول الكلامي. وبديهي، هنا، أن تجدَ المزايدات حيّزاً واسعاً تمخره مع اقتراحات النسبيّات والاختلاطات، كما الاعتراضات. فقصّة القانون معقَّدة كما تعرفون كلّكم، هنا وفي المهاجر. والتلويح بقانون الستين قد يغادر منطقة الهمس إلى البيادر والساحات…

على رغم ذلك، يزداد الناس تفاؤلاً واعتقاداً بأن الفرج لم يَعُد وهماً، بل أصبح احتمالاً واقعيّاً. وعلى أمل أن يجدوا تفسيره مجسَّداً في تطوّرات وخطوات إيجابيَّة على أكثر من صعيد.

فبعد تعطيل، قاسي الوطأة والوقع والنتائج، شمل رئاسة الجمهوريّة مع فراغ لم يحصل من قبل، إلى مجلس النواب فالحكومة. ولسنوات وأشهُر… فجأة عادت الروح إلى المؤسَّسات الثلاث، وانفتحت الأجواء، والمطارات، والأبواب العالية كأن شيئاً لم يكن. فشعر اللبنانيّون بأن ”القطوع الكبير“ الذي كاد يقطع ظهورهم قد مرَّ بسلام.

لقد نَفَد لبنان بريشه. وبنظامه. مع صيغته، وتركيبته، ومكانته عند الأشقاء والأصدقاء في آن واحد. فازداد التفاؤل، وتوسَّعت مساحة الأمل بانتصار الوطن الصغير على العقبات والتعقيدات التي هاجمته بلا هوادة ولا رحمة. فمن حقِّ اللبنانيّين أن يتطلَّعوا إلى عودة متينة ومدعومة لذاك اللبنان الذي كان ذات يوم، ذات مرحلة، ذات زمن، هدف طالبي الانفتاح والأمان، والفرح، والمعرفة، والطموح، والتطوُّر… قبل أن يهديه ”الحسّاد“ بوسطة عين الرمانة التي استمرّت ذيولها ودماؤها زهاء خمسة عشر عاماً.

وحصل ما لم يعد في حاجة إلى إعادة شرح يطول…

الآن ها هو لبنان ”كامل العدَّة“. وها هي الدول الشقيقة والصديقة تتوافد إلى بيروت زرافات ووحداناً، حاملة إلى المسؤولين الجدد كل ما يحتاج إليه لبنان من تأييد ودعم ومساعدات، في شتّى الحقول والميادين. وبحماسة. واستعدادات لم يسبق للعاصمة اللبنانية أن شهدت ما يشبهها أو يماثلها.

هذه الأحداث البنّاءة، هذه الإيجابيّات التي تنسكب من قرص عسل، ومن كل حدب وصوب، من شأنها دفع اللبنانيَّين المتعطِّشين إلى الحياة الطبيعيَّة لانتظار انفراجات على نطاق يتعدَّى في أهمَّيته قضية النسبية والمختلط والستين.

إنّهم يتطلّعون صوب إطلالة جديدة لبلد الثماني عشرة طائفة والمليوني ”ضيف“ كمقيمين مزمنين.

النهار

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com