قمر العظم إذ ينطفئ بعيداً من ياسمين دمشق

قمر العظم إذ ينطفئ بعيداً من ياسمين دمشق

موسى برهومة

ستفتقد الليالي الظلماء المديدة بدرَها المنير الذي انطفأ في منفاه الألماني بعيداً من ياسمين دمشق، فمَن غير صادق جلال العظم يُفتقد في هذا الحريق الذي التهم، أو يكاد، المعاني والمباني والأفكار، فضلاً عن أسئلة الوجود والحرية والأخلاق؟

وإذ يرحل صاحب «نقد الفكر الديني»، فإنّ ميراثه لا يرحل ولا يغيب، لا سيما وأنه قدّم أكثر الصور سطوعاً عن التحام المثقف بخطابه في مختلف التحوّلات والمنعرجات، من دون ارتجافة أو تنازل، وهو ما بوّأ العظم موقعاً سامياً في مصاف المثقفين الذين لا يخذلون شعبهم، ولا يخونون حبرهم في اللحظات المفصلية القاسية.

وإن كان الشيء لا يعرف إلا بضده، فإنّ تساقط المثقفين العرب، وبعض السوريين خصوصاً، أمام المقتلة السورية المفتوحة، وتواطؤهم مع الجزّار، ونقدهم الناعم له، ورجاءهم المتقطع الأنفاس أن يترفق بالضحايا، فلا يجزّ أعناقهم بشدة من الوريد إلى الوريد، جعل من صادق العظم نموذجاً للمثقف الذي يقول للطاغية «لا» كبيرة، ولا يكتفي بذلك، بل يذهب إلى مصارعته في ساحات الفكر والسياسة، فيصيب فكرته بالكساح، ويكشف عطالة الاستبداد، وتوحش النظام الأبوي الطائفي الأقلّوي الذي جعل سورية مزرعة للفاسدين وتجار السلاح والشعارات، وسجناً مفتوحاً لاقتلاع الكرامة والحياة.

ويصحّ أن نقول إن صادق جلال العظم صدّع السلطة قولاً وممارسة، وأزال الأقنعة عمن يخاطبون الديكتاتور المبلّل بدماء الأطفال بـ «السيد الرئيس»، فالعظم لم يشأ أن يمسك العصا من المنتصف كما فعل أصحاب الذهنيات الانتهازية، بل مضى إلى أقصى مدى في الامتثال لسؤال الحرية الذي لا يقبل المهادنة، فلون الدم أحمر، وصواريخ سكود دكّت مدينة حلب وقلعتها، وليس تل أبيب، والبراميل المتفجّرة سقطت فوق المباني السكنية التي يقطنها الآمنون، وأما الإرهاب فإنّ زارعه هو «السيد الرئيس» الذي جعل كل ثابت متحولاً وسائلاً ودامياً ومفتّتاً وهائماً على وجه الخراب وأدخنة الجثث!

وإنْ وُصف العظم بالتطرف، فإنّ أجمل ما فيه تطرفه الذي معناه الإخلاص للفكرة والولاء للموقف وعدم التفريط بالكليات التي تاجها الحرية. وقد فعل ذلك في الثقافة قبل أن يمدّ حرائقه النقدية إلى السياسة، فيلتهم التهافت، ويتقدّم الصفوف منافحاً عن سؤال الحقيقة وهي ترجّ روح الكائن. لهذا راح يوغل نصله في جراح هزيمة حزيران (يونيو) 1967، وسمّاها «هزيمة» وليس «نكسة»، وفكّك أسبابها، وخلّص نتائجها من الميتافيزيقا، وردّها إلى التخلّف والخرافة وانعدام الاستقلال، وغياب الحرية وهيمنة السلطة الأبويّة.

وفي مجمل كتبه، ظل العظم وفيّاً حتى العظم، لمنطلقاته الفكرية وشجاعته في تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية من دون تورية أو مراوغة، وقد تبدى ذلك في موقفه من الاستشراق ودفاعه عن سلمان رشدي، ونقده التصوّرات الغيبية عن الكون، ودعوته إلى فصل الأفكار الدينية عن المسائل العلمية والفلسفية، وإزالة القداسة عن كل ما هو مُعطى للبشر.

ففي كتابه «دفاعاً عن المادية والتاريخ»، يعاين العظم بروحه النقدية التحليلية الصارمة ما يسميه «رواج نظريات عودة الإسلام وما يشبهها، وكأنّ الإسلام روح هيغلي يمتد وينتشر ثم يعود فينسحب ويتقلص»، كاشفاً في هذا السياق عن الفهم الاختزالي الماهوي الغربي لحياة الإسلام، الذي «يتطابق تطابقاً كلياً مع المقولات التي تطرحها الحركات الأصولية الراهنة عن الإسلام وطبيعته، ومع المفهومات النظرية التي تستخدمها هذه الحركات في تفسيرها الإسلام التاريخي والحالي والمستقبلي».

وحتى عندما كتب «في الحب والحب العذري» لم يفقد العظم جموحه التحليلي وأدواته النقدية، فنظر إلى الحب باعتباره «عاطفة تقوم أساسًا على التناقض والمفارقة»، وحلّل «الشخصية الدونجوانية» بصفتها «محاولة مستمرة للبقاء بالحبِّ في مستوى العشق العنيف والانفعال الحاد» من دون أن يسقط في فخاخ الأحكام المعيارية.

وفي مختلف نظراته وتأملاته وتحليلاته، ظل العظم قابضاً على جمر رؤيته النقدية، ولم يتخلّ عن هذه الروح حينما اندلعت الثورة السورية، بل انخرط في أتون المحتجين الذين دشّنوا ثلاث صيحات مدوية «لا تجديد، لا تمديد، لا توريث» فضلاً عن انفصالهم عن التقاليد العربية الرائجة التي تتعلق بشخصية كاريزمية واحدة قريبة من الإله، فمن محاسن هذه الثورة، كما رآها العظم، أنها حطّمت أوثان الزعيم الأوحد، والقائد الملهم، والحزب الواحد، والرأي الواحد.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com