ترامب شخصيّة أيّ عام؟

ترامب شخصيّة أيّ عام؟

فحين يُزعم أن الرجل ذو سوابق أخلاقية غير طيبة، وسوابق مالية غير مطمئنة، وأنه خطر على مصالح بلاده الاستراتيجية ومكانتها في العالم، وأنه عديم الخبرة السياسية، ومع كل هذا يقدم ملايين الأميركيين على التصويت له، والتعامل معه بوصفه المنقذ والمخلص، فهذه إشارة لا تخطئ إلى وضع العقل العامّ وسويّته.

حازم صاغية

تستطيع مجلة «تايم» الأميركية أن تتباهى بأنها تصنع الحدث ولا تعكسه فحسب، إذ تختار، مع نهاية كل سنة، «شخصية العام». وهذا، على رغم أزمة الإعلام المطبوع وصعوباته، وما يفرضه ذلك من خفض للنفقات، يبقى شهادة على أنّ الإعلام المذكور لا يزال يتمتّع بسلطة مرموقة في تشكيل الرأي العام.

على أية حال، فقد وقع اختيار «تايم» لهذا العام على الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب. هكذا سارع عدد من الكُتّاب الغربيين المناهضين لترامب إلى تقديم التوضيحات والاستدراكات، فكتب -مثلاً لا حصراً- شين أوغرايدي في صحيفة «إندبندنت» البريطانية، أن الاختيار لا يعود إلى أن ترامب محبوب أو أنه يحظى باستحسان واسع، بل «بسبب القوة والنفوذ». فهو، قبل انتخابه رئيساً، ملياردير ورجل أعمال ناشط في المجال العقاري، وكذلك نجم من نجوم «تلفزيون الواقع».

واقع الحال أن القوة والنفوذ، على أهميتهما الفائقة، ليسا وحدهما ما يملي اختيار المجلة الأميركية لـ«شخصية العام». فهي سبق أن اختارت أيضاً وجوهاً من غير «الأقوياء» وبعض رجال دين إصلاحيين أو أشخاصاً برزوا في الحقل المالي أو العلمي الخ… فالتأثير في العالم المحيط وتغييره على نحو أو آخر هما المصدر الأبرز للاختيار، وهذا ما حاولت المجلة المذكورة إيضاحه بالقول إن «من الصعب قياس حجم الاضطراب الذي سبّبه» ترامب، وأن انتصاره إنما يمثل «توبيخاً طال انتظاره لطبقة حاكمة راسخة ومتغطرسة»، فضلاً عن الإيحاء بانقسام الولايات المتحدة مرموزاً إليه بصعود ترامب.

وقصارى القول إن التأثير، في يومنا هذا، يصدر بالدرجة الأولى عن القوة والنفوذ. وفي هذا المعنى فإن دونالد ترامب -القوي والنافذ- هو الذي أحدث انقلاباً هيُوليّاً شديد التأثير ومتعدد الأبعاد والمعاني. ففضلاً عن «توبيخه الطبقة الحاكمة المتغطرسة»، وعن تخطئته ما جاءت به استقصاءات الرأي العام، أحدثت الترامبية تعطيلاً للمعاني والدلالات، وهذا ما قد يكون أخطر أوجهها.

فحين يُزعم أن الرجل ذو سوابق أخلاقية غير طيبة، وسوابق مالية غير مطمئنة، وأنه خطر على مصالح بلاده الاستراتيجية ومكانتها في العالم، وأنه عديم الخبرة السياسية، ومع كل هذا يقدم ملايين الأميركيين على التصويت له، والتعامل معه بوصفه المنقذ والمخلص، فهذه إشارة لا تخطئ إلى وضع العقل العامّ وسويّته.

ذاك أن هذا الاختيار (الذي نجم عن الإحباط في مصادره الكثيرة) إنما طور عدداً من حججه التي باتت شعبية وواسعة الانتشار، في مواجهة الحجج العقلية. فإذا قيل، مثلاً لا حصراً، إن ترامب تهرب من إعلان مداخيله وضرائبه على الملأ، كان الجواب: كلهم كذلك، لكنه صريح. وهذا فضلاً عن أن الكثير من آراء ترامب الجلفة إنما تُعد صدى مكبَّراً لآراء ذاك الجمهور اللاعقلاني نفسه.

والراهن أنه حين يتعطل العقل العام في أميركا اليوم، يستحيل الحد من تأثير القوة والنفوذ، خصوصاً أن المؤسسات والعمل بموجب ما تمليه القوانين تتردى، والحال هذه، تباعاً.

فلا يتبقى لنا إلا أن نعلن بؤس هذا العام الذي انتهى بتدمير همجي لمدينة حلب السورية، من دون أن يلوح في أفقنا، وفي أفق العالم، عام أفضل.

الاتحاد

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com