«إعلان أبوظبي».. إنقاذ لذاكرة الشعوب

«إعلان أبوظبي».. إنقاذ لذاكرة الشعوب

محمد خلفان الصوافي

لا تقلّ أهمية حماية التراث الثقافي المعرَّض للخطر في أوقات الحرب، عن ضرورة مواجهة خطر الإرهاب والفكر المتطرف، فالاثنان ينطلقان من المنهج نفسه وهو إلغاء الآخر.

رفعت أبوظبي، مؤخراً، صوتها عالياً مؤكدة أهمية مواجهة وحشية الجماعات المتطرفة التي تريد تدمير كل ما يخص الإنسانية، وذلك بإعلانها إنشاء صندوق دولي لحماية التراث الثقافي المعرّض للخطر في أوقات النزاع المسلح، إدراكاً منها لما يمثله هذا الخطر من كارثة بالنظر إلى ما شهدته منطقتنا من عمليات تدمير للآثار والمزارات الدينية، حيث قامت التنظيمات المتطرفة مثل: حركة «طالبان» وتنظيم «داعش»، بتدمير مدن تاريخية تعود إلى آلاف السنين.

«إعلان أبوظبي» هي خطوة إماراتية عملية لتطورات أتت بها حركات متطرفة تسعى إلى تدمير الآثار التي تمثل «ذاكرة الشعوب»، انطلاقاً من تفسيرات دينية مغلوطة. وقد ازدادت المشكلة تعقيداً بعد أن بدأت تأخذ شكلاً منهجياً مدروساً، فبعد أن ارتكبت جماعة «طالبان» الأفغانية «جريمة» تاريخية عندما دمرت آثار «باميان» عام 2001 رافضة كل المساعي الدولية التي طالبتها بالعدول عن ذلك الفعل السيئ، ما أفسح المجال للرأي العام العالمي بتشكيل صورة سلبية عن الدين الإسلامي في ما يخص التعايش بين الأديان، قام تنظيم «داعش» بتدمير متحف الموصل بطريقة وحشية تثبت همجيتهم وبُعدهم عن كل ما يمتّ إلى الإنسانية بصلة. وأعقب ذلك تدمير التراث التاريخي الإنساني في مدينة تدمر، التي تضاهي المدن الرومانية في اليونان من حيث القيمة التاريخية لها.

لقد قامت دولة الإمارات بأغلب ما كان ينبغي على دول كثيرة في العالم، لا سيما الدول العربية والإسلامية، أن تقوم به، لأن الميراث التاريخي العربي والإسلامي في منطقتنا هو الذي يتعرض للأذى والتدمير تحت تفسيرات دينية كاذبة، في الوقت الذي يحافظ فيه الغرب على ذلك الميراث كما هي الحال في «الأندلس»، أو يقتنيها بالشراء (تجارة الآثار) أو بالسرقة. ومن هنا فإن ما تقوم به دولة الإمارات هي خطوة صائبة من أجل إعادة تصحيح العديد من المفاهيم الدينية التي أساءت إليها التيارات السياسية المتأسلمة، والتي لا تؤمن بالاختلاف أياً كان دينياً أو مذهبياً أو حتى فكرياً.

الاكتفاء بالغضب والاستنكار من «المهرجانات» التدميرية للآثار التي تقوم بها هذه التنظيمات وفق تفسيرات خاصة بها لنصوص الدين هو، بالتأكيد، موقف غير أخلاقي تجاه ثقافات الشعوب، وهو لا يختلف كثيراً عن موقف الصامتين الذين يبدو أن هذا الأمر لا يعنيهم، ولا شك في أن التاريخ لن يغفر لكل هؤلاء صنيعهم، وتغاضيهم عما تقوم به تلك الجماعات تجاه الإنسان نفسه أولاً، والتراث الحضاري ثانياً.

تدمير الآثار والحضارات الإنسانية هو تأكيد عملي أن الاقتصار على التفسير المادي للتطرف والإرهاب هو تفسير مُخلّ وقاصر، لأن كثيرين من المنضمين إلى الجماعات هم من عائلات ميسورة ومن حملة الشهادات. ولا شك في أن أفعالهم هذه إنما تشير إلى «الفقر الفكري»، خصوصاً أن البعض يربط تدمير الحضارات الإنسانية بما حدث مع فتح مكة من تكسير أصنام مكة، متجاهلين أن تلك الأصنام كانت للعبادة، بينما لا يوجد اليوم من يعبدها أو يتقرّب بها.

المعروف أن كل الأجيال الإنسانية الواعية تحتفي بالآثار التاريخية والمعمارية التي تركتها الأجيال الماضية منذ قبل التاريخ، كونها شاهداً على عظمة الإنسان خلال مراحل معينة من التاريخ، بل إن التاريخ البشري لم يُشِر إلى أن دولةً محتلةً قامت بتدمير الآثار التاريخية، بل هناك عُرف يرتقي إلى حد القانون بالمحافظة عليها، لأن تدميرها هو دليل كراهية دينية أو عرقية على اعتبار أنها محاولة عملية لإلغاء الآخر.

معاناة الإنسانية، خصوصاً الإنسان العربي في فترة ما بعد 2003، هي أن هناك من يرى الآخر خارج حدود قيمه الفكرية والسياسية والاجتماعية، وهو لا يحاول إلغاءه فقط، بل إنه يسعى إلى انتزاعه من جذوره أيضاً. ولا شك أن مثل هذه الخطوة الإماراتية سيكون لها تأثير كبير على الصعيد الدولي.

الإمارات وضعت الضمير العالمي، الذي يتباكى على خسارة التراث الحضاري الإنساني، أمام مسؤوليته الحقيقية لمحاربة جريمة المتاجرة بالتراث الإنساني وتدميره، والمأمول أن تشكل هذه الدعوة الإماراتية نقطة انطلاق لعمل دولي تسهم فيه الحكومات والمؤسسات والمنظمات الدولية، وتتضافر فيه الجهود لإنقاذ التراث الإنساني من الأذى الذي لحق به في السنوات الخمس الأخيرة.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com