تجربتان للنجاح.. الإمارات و«التعاون» – إرم نيوز‬‎

تجربتان للنجاح.. الإمارات و«التعاون»

تجربتان للنجاح.. الإمارات و«التعاون»

رضوان السيد

مؤسسة الفكر العربي التي يقودها الأمير خالد الفيصل هي منذ قيامها قبل خمسة عشر عاماً معنيةٌ بالنهوض العربي على مستوى الدولة وعلى مستوى الأمة. وقد فتحت في سائر نشاطاتها باباً للتعاون من أجل النهوض بين المثقفين ورجال الأعمال من المعنيين بالمشروع العربي، ومن وراء ذلك سائر العاملين في الشأن العام، ثم إنها وإلى جانب نشاطاتها الفكرية والثقافية وإصداراتها وأبرزها تقرير التنمية الثقافية، شرعت أبوابها للشباب ليحلَّ التواصل بين الأجيال محلَّ القطيعة أو التمايز.

ومنذ مؤتمرها بالمغرب قبل ثلاث سنوات، شخّصت المشكلة العربية الرئيسة في الافتقار إلى العمل العربي المشترك، لذلك فقد اتخذت من «التكامل» عنواناً لمؤتمراتها الأخيرة، ومنها المؤتمر الحالي في أبوظبي. في المؤتمر الماضي بالقاهرة، وبمناسبة مرور سبعين عاماً على قيام الجامعة العربية، احتفت المؤسسة بهذه المناسبة، وعمدت إلى قراءة تجربة الجامعة قراءةً نقديةً إيجابية، بغية تجاوز أزمات الواقع العربي الراهن.

وفي مؤتمر «فكر 15» لهذا العام في أبوظبي، وفي سياق سلسلة مؤتمرات التكامل، يقرأ باحثو المؤسسة والخبراء من السياسيين والمثقفين ورجالات الدولة تجربتين من تجارب النجاح العربي العزيزة والمفتقدة في هذا الزمان: تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة، وتجربة مجلس التعاون الخليجي. دولة الإمارات العربية المتحدة قائمة منذ عام 1971، ومجلس التعاون قائم منذ عام 1981. وبالطبع فلكل نجاح من النجاحين مقاييسه، فالنجاح في دولة الإمارات له ستة مقاييس: إدارة الشأن العام من حيث الكفاءة والفاعلية، والتوحد الشعبي الوطني من حول القيادة والإدارة، والنمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتربوي والسلام الاجتماعي، والقدرات الدفاعية لحماية المجتمع والدولة، والموقع والدور في المحيط والعالم. وفي كلّ هذه المجالات هناك مؤشرات عاليةٌ للنجاح، تبقى في طليعتها الوحدة الوطنية الداخلية، وكفاءة القيادة والإدارة.

أما مقاييس النجاح في تجربة مجلس التعاون فتتمثل في مدى تقدم العمل المشترك بين دول مستقلّة في محاولتها الصيرورة للتكامل الاقتصادي، والتواصل الاجتماعي، والمناعة والمرونة في العلاقات بدول الجوار وبالعالم. ولا ينبغي أن ننسى أن مجلس التعاون الخليجي مرَّ بظروف بالغة الصعوبة منذ قيامه، فقد قام في ظلِّ نشوب الحرب العراقية الإيرانية على حدوده البحرية والبرية والجوية، وعاش تجربة محاولات صدام حسين لمحاصرته بمجلس التعاون العربي، كما عاش تجربة احتلال العراق لإحدى دوله وهي الكويت، وهو يعيش منذ أكثر من عقد تجربة الاعتداءات الإيرانية على جواره العربي، ومجاله البحري والبري. ومن ذلك الدخول الإيراني إلى العراق وسوريا، والمحاولات الإيرانية لزعزعة الاستقرار في البحرين والكويت، والاستيلاء عن طريق العصابة الحوثية على اليمن وسواحل البحر الأحمر وبحر العرب وعُمان، ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أن هذه الواحة من الأمن والتكامل تحتاج إلى موارد للبناء الدفاعي، وإلى علاقاتٍ دولية منتظمة وفاعلة مع الدول الكبرى في الشرق والغرب.

لقد صمد مجلس التعاون الخليجي، بينما تراجعت قدرات الجامعة العربية إلى الحدود الدنيا. وكان عليه من أجل أن يحمي اليمن ويحمي حدوده التدخل لمساعدة السلطة الشرعية باليمن. وبرزت في هذا المجال المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وهذا بعد عمل طويل، خليجي ودولي، للدخول باليمن إلى مرحلة انتقالية تحفظ سلامه ووحدته، عطلها الإيرانيون وحلفاؤهم المتأيرنون من الحوثيين.

ثم إن هذا كلَّه لم يمنع مجلس التعاون في مؤتمر قمته الأخيرة بالبحرين من الطموح للتحول إلى كتلة اقتصادية هي الثالثة في العالم، ولم يمنعه من العمل على الاستمرار في إنقاذ اليمن مما وصلت إليه سورية ووصل إليه العراق. وفي الوقت نفسه تقوية تعاوُنه الدفاعي الذاتي والمشترك في البر والبحر والجو، والتطلع إلى مرحلة قريبة يعود فيها السلام والاستقرار إلى سورية العربية الواحدة بعيداً عن القتل والتهجير والتطييف والاضطراب.

وهكذا فإن مؤتمر «فكر 15» لمؤسسة الفكر العربي بأبوظبي، إنما يأتي ليكون الجبهة الثقافية السياسية التي ترصد أمائر وإشارات النهوض العربي، في بحوث ومبادرات لا تتجاهل الصعوبات، لكنها لا تغرقُ في اليأس والبؤس اللذين تثيرهما مذابح التهجير والتطييف في سورية والعراق، ويثيرهما التخاذُل غير المسوَّغ في سياسات سلطات عربية تخطئ كثيراً بحقّ شعوبها عندما تقدّم سياسات الهوى الجامح على سياسات المسؤولية العربية الجماعية.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com