حديقة التماثيل

حديقة التماثيل

سمير عطاالله

في كتب الصغار حكاية عن أن الإنسان لا يمكن أن يرضي أحدًا مهما فعل. خلاصتها، أن أناسًا مرّوا برجل وابنه ومعهما حمارهما. وكانا راجلين والحمار حرًا. فقال الناس: يا للغباء، يتعبان ويتركان الحمار يرتاح. فقال الأب للابن، هلم بنا إلى ظهر الحمار. فمرت بهما جماعة أخرى، فقالت يا للقسوة، رجلان على ظهر حمار. فقال الأب للابن، أترجّل أنا وتركب أنت. فمرت جماعة فقالت، ابن عاق، يدلل نفسه ويتعب أباه. فقال الأب انزل أنتَ وأطلع أنا، فمر بهما فلاح وصاح، ما هذا النوع من الأبوَّة. فقررا من جديد أن يتركا الحمار حرًا، فمرت بهما الجماعة الأولى وضحكت قائلة، ترى أيَّهم الحمار؟
الحمار هو الذي يصغي لأقوال الخاملين والعاطلين والحاسدين. لا هم آخر لديهم في الحياة. أخبرني زميل عربي أنه أراد أن يظهر على التلفزيون بمظهر الإنسان العادي. وبعد خروجه من الاستوديو، تلقى الاتصالات من أصدقائه: «لماذا الإصرار على المسكنة»؟ وفي البرنامج التالي، ارتدى سترة فوق العادية بقليل، فما إن خرج من الاستوديو حتى تلقى اتصالاً من أحدهم «يا معلم، شو هالجاكيت الحلوة»؟ أحال المسألة على الحمار.
أول مجيئنا إلى لندن اشترينا في الريف منزلاً من غرفتين وحديقة بمبلغ 35 ألف جنيه مقسطة على 25 عامًا بـ400 جنيه شهريًا. كان في الحديقة مجسّمات فخارية للبط والدجاج تركها المالكان السابقان. فرحت بمنزل في الريف، وقررت أن أدعو أصدقائي. وبعد أيام التقيت ناشرًا وصحافيًا ثريًا ومشهورًا فبادرني، فاقعًا ضحكًا وقهقهة: «شو عما يخبرونا؟ جنينة فيها تماثيل»؟
أفهم أن يحسدني ويغضب مني زميل لم يكن قادرًا على تقسيط 35 ألف جنيه على 25 عامًا. أما الرجل فكان صاحب ثروات ومجلات وفيلات ومنازل، فما الذي كان يرضيه يا ترى؟ كان «حديقة التماثيل» من بط ودجاج وسائر الفخاريات التي لا تساوي كلها آنذاك، 50 جنيهًا، هي أول منزل تملكته في حياتي. ولم يغفر لي الرجل ذلك. وراح يبحث عن أسباب ثروتي. وبلغني أنه يتحدث عن ربطات عنقي. وغاب، رحمه الله، من دون أن أعرف السبب. ولم أحاول في أي حال. كنت قد قرأت صغيرًا قصة الحمار والبشر. بعض الظلم لا ينسى ولا يسامح، لشدة ما هو ظلم.
الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎