هل يمكن الفنّان أن يكون قدوة؟!

هل يمكن الفنّان أن يكون قدوة؟!

زياد الدريس

ظلت (القدوة) ركيزة أساسية في تربويات الخطاب الثقافي العربي، سواءً عبر هذه المفردة الأكثر شيوعاً، أو عبر المفردة القرآنية المرادفة لها (الأُسوة).

وغرض هذا النهج التربوي هو إيجاد نموذج يتم الاقتداء أو التأسي به من خلال محاكاة السلوكيات الحسنة التي يتمثلها الشخص/ النموذج.

ومن منطلق الإحساس بأهمية وأثر القدوة في المجتمع، جاءت مبادرة الأمير خالد الفيصل بإطلاق مشروع (كيف نكون قدوة) في ما بين نسيج مجتمع منطقة مكة المكرمة، بكافة فئاته ومواقعه من المجتمع.

وقد قيل إن القدوة خير من ألف موعظة، إذ ترتكز الموعظة على تقديم نظريات في حسن الطبائع والشمائل والأخلاق. لكن المستمع للموعظة لا يكون دوماً على مستوى يؤهله لإنزال النظرية على الواقع. أما القدوة فهي تُمثّل للمراقب نموذجاً جاهزاً وناجزاً، لا لتجريب النظرية الوعظية، بل لمعاينتها محسوسةً على الواقع.

وعلى رغم المواعظ المتعددة والمتكاثرة عبر وسائل الإعلام الجديد، إلا أننا لا نجد الشباب خصوصاً يستجيب ويتفاعل مع هذه المواعظ كما نأمل، ويؤلمنا أشد الألم حين نرى الطريقة التي يختار بها الشباب المعاصر قدواته من بين أناس هذا العالم.

لم نفطن إلى الخلل الذي نقع فيه دوماً حين يأتي الحديث عن (القدوة)، إذ نجعل هذا الامتياز الاجتماعي حكراً على فئات محددة من المجتمع هم: الدعاة والوعاظ والعلماء والمفكرون. ونستبعد من احتمالات القدوة تماماً: الرياضيين والفنانين.

هذا التصنيف الإقصائي سيجعل الشاب، المحب للحياة، غير متوافق مع حلول القدوة التربوية، لسببين: الأول أنه لا يستطيع التعايش مع الفصام الاجتماعي الذي يجعل الأكثر حضوراً وحيويةً في الحياة هم فئات محكوم عليها بالنبذ المطلق، من دون تمييز بين لاعب وآخر أو فنان وآخر، فكلهم سواسية في قاع المجتمع.

الثاني: أن الفئات الاحتكارية لامتيازات القدوة، وإن بدت أكثر رصانة وانضباطاً عمن سواها، فإنها ليست مجبولة دوماً لكل المنتمين اليها على الانضباط الأخلاقي وعدم نزوع أحد أعضائها إلى الفلَتان الذي يمكنه أن يصيب أي إنسان بصورة طبيعية، لكن لأننا أوشكنا أن نمنح قداسة الاقتداء لأعضاء تلك الفئات النخبوية فإن سقوط أحدهم يصبح مدوّياً وصادماً، للشباب خصوصاً.

المخرج من هذا المأزق الذي بات يتكرر كثيراً في الآونة الأخيرة، هو أن نعيد تعريف (القدوة) بأنه الإنسان المنضبط أخلاقياً، المُنتج والنافع اجتماعياً، سواءً كان واعظاً أو لاعباً أو طبيباً أو مثقفاً أو فناناً.

الحياة

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com