الرئيس الفلسطيني محمود عباس
الرئيس الفلسطيني محمود عباسرويترز

معارك تمثيل الفلسطينيين

في تفاصيل ومحطات القضية الفلسطينية كانت معارك تمثيل الفلسطينيين من أهم المعارك بعد مواجهة الانتداب والاحتلال، ولا تزال تلك المعركة مستمرة بل ازدادت أهميتها رغم كل انواع التردي في الحالة الفلسطينية.

وعاشت القضية الفلسطينية مراحل كانت فيها الأرض الفلسطينية بلا سلطة ولا تتبع لأي جهة وبعض تلك المراحل لم يكن مسموحا بوجود كيان فلسطيني لأن المشروع الصهيوني كان أولوية لدولة الانتداب، لكن حتى بعد قيام إسرائيل عام 1948 كان هناك فراغ في الضفة الغربية حتى مشروع ضم الضفتين، ربما لم تكن الحالة الفلسطينية منظمة لكن كانت مشتتة، وكان هناك قرار التقسيم الذي أقر وجود دولة عربية إلى جانب كيان الاحتلال، لكن الجميع كان منشغلا برفض وجود إسرائيل ومعه رفض وجود الدولة العربية.

وجاءت وحدة الضفتين التي لم تقم بين الأردن ودولة أو كيان فلسطيني بل مع الشعب الفلسطيني، فالضفة الغربية منذ عام 1948 وحتى وحدة الضفتين لم تكن تحت أي حكم فلسطيني أو عربي، والحكومة الفلسطينية التي قامت عام 1942 لم تستمر وكانت في غزة، ووحدة الضفتين التي اعترفت بها في بدايتها دول قليلة ربما اعتبرها البعض رغبة أردنية في التوسع لكنها أيضا كانت على جغرافيا وشعب بلا حكومة أو دولة وإلى جانب احتلال كان يبني دولته برغبة استعمارية في التوسع نحو الضفة الغربية، وكان أول مشروع فلسطيني إنشاء حركة فتح عام 1959 وإعلان انطلاقتها عام 1965 وكان هدفها تحرير أراضي عام 1948.

لكن وحدة الضفتين وأيًّا كانت دوافعها لم تكن مجانية على الأردن الذي وفر جنسية ودولة لسكان الضفة الغربية الذين لم تكن لديهم دولة، وجعلت الأردن في مواجهة مباشرة مع الاحتلال الذي لم يوقف أشكال عدوانه حتى حرب 1967، وما بين وحدة الضفتين وحرب عام 1967 تم إنشاء عدد من التنظيمات الفلسطينية والأهم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 والتي كانت جزءا من الصراعات العربية وورقة بيد جمال عبد الناصر ضد الأردن الذي كان يحكم الضفة، وبعد احتلال الضفة الغربية اشتد عود المنظمة بعد دخول الفصائل الفلسطينية تحت إطارها والسيطرة عليها وأصبحت حركة فتح هي من تقود المنظمة، وكانت المعركة الكبرى لها ضد الأردن تحت عنوان من يمثل الفلسطينيين.

وإذا كان الأردن خاض معركة سياسية مع المنظمة فإن المنظمة خاضت حربا عسكرية ضد الأردن في أحداث الأمن الداخلي في نهاية الستينيات، وكانت تلك الأحداث عملا عسكريا للسيطرة على الحكم في الأردن أي إقامة الوطن البديل بالقوة العسكرية وبدعم من بعض العرب وعلى رأسهم جمال عبد الناصر.

وكان الأردن يعتقد أنه يجب أن تكون هناك جهة معترف بها للسعي لاستعادة الضفة سياسيا، لكن مشكلة المنظمة كانت مع الأردن وانحازت قمة الرباط عام 1974 للمنظمة وإعلانها ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني ووافق الأردن، واستمر النزاع السياسي عبر محطات انتهت بإعلان الأردن قرار فك الارتباط الإداري مع الضفة الغربية، لكن الأردن أبقى ارتباطا ما مع الضفة حتى لا يكون الفراغ الذي تستغله سلطات الاحتلال مثل القدس التي لا تزال الوصاية الهاشمية على المقدسات فيها تمنع سيطرة وزارة الأديان الصهيونية عليها.

بعد فك الارتباط انطلقت المنظمة في مسار سياسي من إعلان الدولة الفلسطينية عام 1988 لكنه إعلان إعلامي، وبدأت بالونات الاختبار من المنظمة بتغيير موقفها من الاعتراف بإسرائيل وقبول قرار 242 لكن إسرائيل تعاملت بابتزاز مع المنظمة حتى عندما جاء مؤتمر مدريد عام 1991 رفضت إسرائيل وجود وفد فلسطيني مستقل لأنها لا تعترف بالمنظمة فكانت المظلة الأردنية هي الحل مثلما كانت حلا مؤقتا تلجأ إليه المنظمة حين يرفضها العالم، وكان الوفد الأردني الفلسطيني المشترك الذي دخل مؤتمر مدريد وكان الجزء الفلسطيني من شخصيات من الداخل، لكن ياسر عرفات ورغم أنه مرجعية الوفد الفلسطيني كان يخاف من فكرة البديل للمنظمة وتحت هذا الخوف كانت مفاوضات أوسلو السرية مع إسرائيل دون علم الأردن والعرب وحتى الوفد الفلسطيني في مدريد، وثمنا لمعركة التمثيل وقعت المنظمة اتفاق أوسلو الذي كان منذ ثلاثين عاما ولا تزال السلطة عاجزة فيه عن التحول إلى أكثر مما أرادت إسرائيل كيانا مهمته التنسيق الأمني وحماية ما يسمى أمن إسرائيل.

لكن معارك التمثيل لم تكن بين المنظمة والأردن بل داخل البيت الفلسطيني، فهناك انشقاقات داخل فتح تمت لكنها لم تستطع الذهاب خطوة نحو منظمة تحرير بديلة، لكن الخطر الأكبر على فتح والمنظمة جاء بعد ظهور حماس التي توسع حضورها فلسطينيا وخارج فلسطين، ولم يستطع ياسر عرفات احتواءها داخل المنظمة لأسباب منها أن حماس ترى نفسها أكبر من المنظمة ومتناقضة سياسيا معها، ولهذا كانت تواجه عروض الانضمام للمنظمة بطلب تمثيل بنسبة كبيرة في مؤسسات المنظمة، لكن خوف عرفات ازداد مع فوز حماس بالانتخابات الفلسطينية والذي تبعه انشقاق الضفة عن غزة والذي لن ينتهي لأنه جزء من معركة التمثيل.

الأردن حسم خياراته خلال العقود الأخيرة فلا أحلام ولا أدوار يريدها في الضفة حتى لو كانت لمصلحة الفلسطينيين، والخيار هو دعم الفلسطينيين لإقامة دولتهم، لكن معركة تمثيل الفلسطينيين اليوم داخل البيت الفلسطيني، والغريب أن الذين حاربوا الأردن سياسيا وعسكريا بحجة التمثيل الفلسطيني بعضهم من يسعى ويروج لإلغاء فك الارتباط او لحل على أساس كونفدرالية أو فدرالية بين الأردن الدولة ومواطني الضفة الغربية وما بقي من أرض الضفة، وهم الذين يرفعون أصواتهم بإعلان وفاة حل الدولتين تسويقا لعودة الأردن لحكم الضفة تحت عناوين مختلفة.

من يمثل الفلسطينيين معارك دفعت المنظمة مقابلها أثمانا أعظمها أوسلو بمفاوضات سرية وتنازلات كبرى لإسرائيل وانشقاقات فلسطينية آخرها غزة والضفة وفي النهاية تحولت المنظمة إلى أشلاء سياسية دون أن يكون البديل دولة فلسطينية حقيقية، فالمنظمة كانت من أدوات صناعة نفوذ بعض العرب، وخاضت صراعات عسكرية في عدد من الساحات العربية لكنها لم تحقق هدفها لا في تمثيل حقيقي للفلسطينيين ولا في إنهاء الاحتلال، ولا تجد السلطة اليوم إلا الأردن يتعامل بصدق كامل في دعم الحق الفلسطيني.

المقالات المختارة المنشورة في "إرم نيوز" تعبر عن آراء كتّابها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر الموقع.

الأكثر قراءة

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com