«سايكس بيكو».. الأسطورة الراسخة

«سايكس بيكو».. الأسطورة الراسخة

عبدالحميد الأنصاري

اختار المنتدى السنوي الحادي عشر لصحيفة «الاتحاد»، موضوع «العرب بعد 100 عام على سايكس بيكو»، وحسناً فعل، فالموضوع، وحتى بعد مرور قرن، لا يزال يشكل صدمة لرومانسية حلم القوميين العرب في «الوحدة العربية» وفجيعة لمثالية تصور الإسلاميين لـ«الخلافة العثمانية» التي كانت رمزاً للخلافة الإسلامية، وفقاً للباحث المدقق «هاني نسيرة» في دراسته المتميزة «سايكس بيكو في وعي المتشددين العرب».

دعونا نتساءل: لماذا تم تضخيم دور اتفاقية سايكس بيكو، في المخيال العربي والإسلامي، رغم أنها أقل أهمية وخطورة من تحولات أخرى، واتفاقيات مفصلية، ووعود مصيرية، مرت بها المنطقة العربية، من أشهرها «وعد بلفور» الذي أعقبها بعام (1917)، واتفاقية «مؤتمر سان ريمو» عام 1920، و«مؤتمر القاهرة» الذي فصل أراضي فلسطين عن شرق نهر الأردن؟!

لماذا تستمر مفاعيل سايكس بيكو، تعمل عملها السلبي في الوعي الجمعي العربي، وحتى هذه الأيام التي حفلت الصحف العربية بمئات المقالات بمناسبة مرور مئويتها؟!

لماذا تستمر بكائيات سايكس بيكو بعد قرن من الزمان، عندنا، رغم أن العديد من دول العالم مرت بمثلها، بل أخطر منها، في سياق تحولات عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى (1918-1914) وتمكنت من تجاوزها؟!

طبقاً لهاني نسيرة في دراسته المهمة، لم تكن سايكس بيكو، لحظة شرق أوسطية، بل لحظة عالمية، سقطت فيها الإمبراطورية القيصرية الروسية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، والإمبراطورية الألمانية، والدولة العثمانية بعد ذلك، وكذا ممالك في إيطاليا وصربيا وبلغاريا، وشهد الشرق الأوسط نفسه ما عرف بـ«الثورة العربية الكبرى».. وغير ذلك من الأحداث التي تثبت أننا كنّا أمام مخاض عالمي خطير أثّر على كل العالم، وليس على المنطقة فقط. لكن كل العالم لم ينظر إلى تلك التحولات الكبرى، بوصفها «مؤامرة» إلا «العقل العربي» الذي رأى في سايكس بيكو، قطب النظرة التآمرية ولتصبح فيما بعد السمة الأبرز في خطابنا المعاصر، ولم يتمكن من تجاوزها!

دعونا نتساءل مرة ثانية: هل كان العقل العربي والإسلامي مغيّباً عن إدراك الواقع التاريخي، المأساوي والمرير، السائد في العالم العربي والإسلامي في ظل الحكم العثماني، قبل سايكس بيكو؟! ألم يكن مقسماً، ومنذ الخلافة العباسية، إلى دويلات متصارعة، وإمارات سلطانية متحاربة، وممالك للطوائف منفصلة، وأقليات عرقية ودينية ومذهبية متنازعة، تتعايش (كرهاً) تحت قبضة الدولة الاستبدادية الباطشة؟!

وطبقاً لباحث آخر هو عبدالإله بلقزيز، فإن ظاهرة التفكك والتجزئة، في بلادنا، ظاهرة تاريخية عريقة، وليست حديثة، ناشئة عن اندفاعة المطامع الكولونيالية في ديارنا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ويضيف عليه المفكر رضوان السيد متسائلاً: من قال إن حدود سايكس بيكو غير طبيعية؟ حدود الفرات هي حدود سوريا أو الشام الطبيعية منذ آلاف السنين، أما الموصل فبقيت في العراق بسبب العشائر العربية هناك والتي حمت عروبتها، لأن الخيار كان بين ضمها إلى تركيا أو إلى العراق. والشاهد في كل هذا، أن رسم الحدود من قبل الأجنبي، روعيت فيه التوازنات العشائرية والحدود الطبيعية والتاريخية الموروثة، ومنع المنازعات القبلية، لأن الاستقرار والأمن والسلام، مصلحة للأجنبي والمحلي معاً، ولم يكن الهدف مصلحة الأجنبي فحسب، كما يسود في الخطاب العربي المعاصر.

مرة ثالثة: لماذا تحولت اتفاقية سايكس بيكو إلى أسطورة راسخة في الوعي الجمعي العربي؟

الجواب في نظري: بفعل «التوظيف الأيديولوجي» للاتفاقية، لخدمة طروحات التيارات الثلاثة الكبرى (القومي والإسلامي واليساري)، والتي شكلت معارضة سياسية للأنظمة الملكية القائمة في ظل المحتل الأجنبي، فوجدت هذه التيارات في الاتفاقية سلاحاً لهجاء وذم الدولة القُطْرية القائمة ونظامها السياسي، وتحريض الجماهير ضدهما، بوصفهما من مخلفات سايكس بيكو الاستعمارية، والتي تنبغي إزالتها وصولاً إلى إقامة الدولة القومية (عند القوميين) والخلافة الإسلامية (عند الإسلاميين)، والدولة الاشتراكية (عند اليساريين)، وهي أيديولوجيات زائفة، بدليل أن رموزها عندما وصلوا السلطة، زادوا الدولة القطرية رسوخاً. فـ«البعث» القومي انقسم إلى بعثين متحاربين: سوري وعراقي، مما يؤكد أن هدف الجميع هو السلطة وحدها.

الاتحاد