المراجعة والتأصيل… ليستا مهمة الإسلاميين وحدهم

المراجعة والتأصيل… ليستا مهمة الإسلاميين وحدهم

عريب الرنتاوي

يعترف قادة إسلاميون أن أفعالهم (ممارساتهم ومواقفهم السياسية) تسبق أقوالهم (تنظيرهم) في أحيان كثيرة … واحدة من مشكلات الحركة الإسلامية في الأردن والمشرق عموماً، بخلاف ما هي عليه حال الحركات الإسلامية في المغرب العرب، إنما تكمن هنا: ضعف النظرية والتنظير وغياب المنظرين (المفكرين)… والمفكر هنا، ليس لقباً توزعه الفضائيات العربية على بعض “زبائنها” الدائمين، التعريف هنا ينطلق أساساً من القدرة على إنتاج الأفكار الجديدة، وليس “الهذر الكلامي” أو إعادة تدوير ما سبق اجتراره من أفكار.

لكن نقطة الضعف هذه، ليست حكراً على التيار الإسلامي، ولا هي صفة ملازمة له وحده دون سواه، فلدينا أزمة “نظرية” و”تنظير” و”منظرين”، تكاد تعصف بمختلف التيارات السياسية والفكرية العربية، في الأردن بخاصة والمشرق بعامة … فاليسار الذي تدثر بعباءة الماركسية – اللينينية لسنوات وعقود، لم يجر المراجعات الفكرية والنظرية لخطابه التأسيسي، وتوزع “الرفاق” شيعاً وقبائل، منهم من “ارتد” نحو سلفية – دعوية، وأحياناً جهادية، ومنهم من لاذ بعباءة الإسلام السياسي السني (حماس والإخوان)، ومنهم من انخرط في مشروع الإسلام السياسي الشيعي تحت راية المقاومة (حزب الله)، ومنهم من قبل بالاستتباع لحكومات وأنظمة وسلطات قمعية، نكاية بالإسلام السياسي، وتحت شعار “الشيطان الذي تعرف خير من الشيطان الذي لا تعرف”، ومنهم اكتفى بمراجعات نقدية خجولة، ليخرج بنتيجة مضحكة وسطحية للغاية: النظرية صحيحة والأخطاء لم تتخط حقل الممارسة، في محاكاة بائسة للخطاب الأصولي، الذي يتوقف عن “صدر الإسلام”، وينسب ما تبعه من أخطاء وخطايا للمسلمين.

الحال على ضفة الخطاب القومي أسوأ حالاً، فإذا كان بمقدور اليسار أن يجادل بأن تجربته في الحكم في الشطر الجنوبي من اليمن، ليست نموذجاً لما يمكن أن يكون عليه حكم اليساريين، فقد أتيح للتيار القومي بأجنحته المختلفة، أن يمارس الحكم، ولسنوات طوال، في قلب الحواضر والدول العربية الكبرى: مصر، العراق، سوريا وليبيا … وفي جميع هذه التجارب من دون استثناء، سقط التيار القومي سقوطاً ذريعاً، لا حرية حقق، ولا وحدة أنجز ولا تنمية أو اشتراكية بنى، لم يحرر فلسطين من “العدو القومي”، وفشل في صون وحدة دوله القطرية، وتركها عند السقوط، خراباً صفصفاً.

لم نجد من يعيد قراءة التجربة، ومن يتصدى لمواطن الخلل الفكري – النظري في التجربة، ومن يعكف على إنشاء نظرية جديدة لعروبة جديدة … اختصر الفشل في مشجب “مؤامرات الخارج على الداخل”، وأحياناً في خيانة بعض “الرفاق” وسفالة بعضهم الآخر، والأهم، أن كل ذلك يجري وسط حالة إنكار للآثام والجرائم التي اقترفتها أنظمة هذا التيار، بحق شعوبها والأمة بأسرها … أما المحاولات الجديدة لإنتاج “عروبة جديدة” فتقودها قوى وشخصيات ومثقفين، ظاهرهم يشي بعروبتهم، وباطنهم يشف عن “سلفية” تعيد تعريف العدو، وتعيد صياغة العروبة لمواجهة الفارسية – الشيعية – المجوسية، وتسعى في بناء سدود وجدران في مواجهة توسعها وهيمنتها المتزايدة خلال الأعوام القليلة الفائتة.

وإذا كان التيار اليساري قد توزع على مرجعيات مختلفة، وارتضى دوراً ذيلياً في غالب الأحيان، يسير تارة في ركاب الأنظمة و”الدولة العميقة” وأخرى في ركاب الإسلام السياسي السني أو الشيعي، فإن المصائر التي آل إليها التيار القومي، ليست أحسن حالاً، ففي سوريا، تُستتبع القومية العربية لإيران ومحورها وميليشياتها المذهبية، وفي العراق، تتماهى القومية العربية، تارة مع “داعش” وأخرى حيثما تواجد من يواجه “الفرس والمجوس والروافض”.

إذن، ليست المشكلة عند التيار الإسلامي، الذي يعاني تعدد المرجعيات واختلاط التجارب وتضاربها، وغياب التجربة – النموذج … المشكلة موجودة أيضاً، وبهذا القدر أو ذاك، عند الجميع ومن دون استثناء، وإن اختلفت درجة تفاقهما من بلد إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى.

في الموضوع الذي يشغل الأردنيين في الأسابيع الأخيرة: الديمقراطية والدولة المدنية، لا يبدو أن الإسلاميين وحدهم، هم من تقاعس عن “تأصيل” المفاهيم وتجذيرها … هم لم يفعلوا ذلك، وموقفهم من الديمقراطية والدولة المدنية الذي مضى على تبنيه ما يقرب من العقد من الزمان، ما زال في إطار السياسة و”التكتيك”، ويراوح ما بين الضبابية و”الرمادية” … لكن من قال إن التيار القومي أجرى مراجعات نقدية صارمة لمواقف مراكزه المعادية من الديمقراطية، والقامعة لشعوبها والكارهة للتعددية، والمستميتة في القتال ضد تداول السلطة.

ومن قال إن اليسار الذي نشأ على حب اللينينية أكثر من انغماسه في فكر كارل ماركس وفريدريك إنجلز، قد “كلف خاطره” ولو لمرة واحدة، للبحث والتمحيص في المفهوم “الأداتي” للديمقراطية عند لينين، وهو الذي جادل مطولاً بأن وظيفة الديمقراطية الوحيدة هي الوصول إلى السلطة، وبعدها تنتهي الحاجة للديمقراطية البرجوازية بانتخاباتها وبرلماناتها، لتحل محلها ديكتاتورية البروليتاريا أو “سوفيتات” العمال والفلاحين الانتقالية… لم يجر أحد المراجعات المطلوبة، برغم انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي القديم، وسقوط المعسكر الاشتراكي.

وعن الديمقراطية الداخلية (الحزبية)، فإن المقارنة بين مواقف التيارات الثلاث، لا تأتي في غالب الأحيان لصالح “العلمانية” و”المدنية” منها… القوميون العرب، أدخلوا الوراثة على الجمهورية، والجملوكيات ارتبطت بهم وحدهم تقريباً، دون سواهم، وهم اختصروا الشعب بالحزب والحزب بالزعيم الأوحد، أو “القائد الضرورة”، الزعيم الذي هو أمين عام الحزب والقائد الأعلى ورئيس الدولة… في شبابه يساعده إخوانه وانسباؤه، ومن بعده يؤول الحكم لأولاده … أليست هذه هي تجربة الحكم في العراق وسوريا وليبيا؟

أما اليسار الذي تربى على هجاء الديمقراطية البرجوازية، حيث يختار الشعب كل أربع سنوات، من سيقمعه للسنوات الأربع القادمة، أنشأ نظرية ستالينية للحزب “الحديدي”، الذي هو بالتعريف هيئة أركان الطبقة العاملة، وطليعتها المقاتلة، الحزب الذي تتأسس وحدة إرادته الجمعية على نظرية “المركزية الديمقراطية”، التي لا تكاد تختلف سوى بالتسمية، عن مفهوم “السمع والطاعة” الرائج في أوساط الحركات الإسلامية، الإخوانية منها والسلفية التي تكفر الخروج عن طاعة “ولي الأمر”، وولي الأمر هنا، يمكن ان يكون الحاكم، ويمكن أن يكون الأمين العام للحزب.

خلاصة القول، ليس لأي من هذا التيارات ميزة نسبية، تملكه الأهلية الأخلاقية، للهجوم والانقضاض على عيوب الآخر وثقوب تجربته … ولقد آن الأوان، ليشرع الجميع في إجراء ما يلزم من مراجعات، وفي تأصيل وتجذير قواعد وقيم الديمقراطية، داخل حزبه ابتداءً، وعلى مستوى نظرته للدولة والمجتمع على نحو أوسع … فالديمقراطية التي نتغنى بها جميعاً، لا يمكن أن يبنيها سوى ديمقراطيين… وليس بمقدورك أن تكون ديمقراطياً في الأردن، ومعادياً لها حد امتشاق السلاح، في سوريا والعراق وليبيا … لا يمكنك أن تكون ديمقراطياً وأنت تمجد نظام “الولي الفقيه” أو تقف احتراماً لشعار “الحاكمية لله” القطبي، وتطبيقاته المتفاوتة في عدد من تجارب الحكم الإسلامية … لا يمكنك أن تكون ديمقراطياً في الأردن، وانت شديد التعلق حد “النوستالجيا” بتجربة الاتحاد السوفياتي القديم، ومن دون أن تدرك أن أحد أهم أسباب انهيار هذا المعسكر، هو “لا ديمقراطيتة”، بل وعداؤه الشديد للديمقراطية والتعددية.

الدستور