واشنطن ومعادلة القوة والقيم

واشنطن ومعادلة القوة والقيم

وليد أبي مرشد

بين رئيس أعاد للأذهان عهد «الانعزالية» الأميركية٬ ومرشحي رئاسة منهمكين باستكشاف فضائح بعضهما البعض أكثر من توضيح سياسة بلدهما الخارجية ­ خصوًصا حيال النزاع السوري الذي يقلق كل العواصم العربية ­ بات السؤال الذي يطرح نفسه: أي ولايات متحدة سيتعامل العرب معها بعد ولاية الرئيس أوباما؟

يصعب فصل الإجابة عن هذا السؤال عن مسار أخلاقيات المعركة الانتخابية المحتدمة حالًيا في الولايات المتحدة وأدبياتها السياسية. وفي هذا السياق لا بد من الملاحظة بأنه لم يسبق لأي انتخابات رئاسية أن شوهت صورة النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة كما شوهته انتخابات خلافة الرئيس باراك أوباما.

في معركة انتخابية يتفق الكثير من الأميركيين على أنها خيار بين السيئ والأسوأ٬ لم تعد برامج المرشحين المتنافسين على كرسي البيت الأبيض ولا مواقفهما السياسية العامل المرجح لتفضيل أحدهما على الآخر٬ بل «كم» الهفوات والأخطاء والفضائح التي تلاحقهما في سياق الحملة الانتخابية…

واللافت أنه كلما اقترب موعد الاستحقاق الانتخابي ازداد عدد الفضائح المتكشفة؛ ما يحمل على الاعتقاد بأن ما خفي كان أعظم. على هذا الصعيد ربما كان أطرف رأي خرج به مراقبون للحملة الانتخابية الأميركية هو اعتبارهم بأن الخيار الأسلم في معركة كلينتون – ترامب هو خيار الهجرة إلى كندا.ولكن ما هو الخيار الأجدى بالنسبة للعواصم العربية المتعاطفة مع الولايات المتحدة؟

منذ أن برزت الولايات المتحدة كقوة عظمى٬ ودبلوماسيتها تحاول التوصل إلى معادلة واقعية بين «القوة» و«القيم» في سعيها لتحقيق هدفين: ضمان أمنها القومي أولاً٬ وتعزيز استقرار حلفائها وأصدقائها في العالم الغربي٬ ثانًيا.

وعلى مدى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية بقي موقف الحزبين الأميركيين الرئيسيين من هذه المعادلة يتقاطع مع اعتبارات خارجية في مقدمتها ما إذا كان على الولايات المتحدة أن تتصرف «أحادًيا» على الساحة الدولية٬ أم التذرع بشكل من أشكال الشرعية الدولية عبر مشاركة دول أخرى قي تحركها الخارجي.

في عهد الرئيس أوباما انتقلت الدبلوماسية الأميركية من مرحلة التأكيد على زعامتها العالمية إلى مرحلة إدارة ظهرها للعالم الآخر ومشكلاته. وليس من المبالغة في شيء القول بأنه لم يسبق لرئيس أميركي أن خّيب آمال العالم العربي بمصداقية التزام بلاده بمعادلة «القوة والقيم» كما خّيبه أوباما منذ تراجعه «التاريخي» عام ٬2012 عن تهديده بقصف أهداف عسكرية سورية؛ عقاًبا على تجاوز نظام الرئيس بشار الأسد «خطه الأحمر»٬ ولجوئه إلى السلاح الكيماوي في مواجهاته مع المعارضة. لا جدال في حق الرئيس الأميركي اختيار المنحى الأنسب لدبلوماسية بلاده.

لكن تخلي الرئيس أوباما عن لعب دور «الشرطي الدولي» في سوريا٬ أفقد الديمقراطية الأميركية مصداقية أخلاقية لا يبدو أن حملة الانتخابات الرئاسية الراهنة في وارد تعويضها طالما بقيت «الفضائح» هاجسها الأبرز.

ومما يضاعف القلق على مستقبل التزامات الديمقراطية الأميركية في الخارج اعتبار بعض الأكاديميين الأميركيين أن التوجه الانعزالي في سياسة واشنطن الخارجية لا يرتهن بموقف رئيس البلاد بقدر ما يعود إلى «مزاج قومي» متقلب يتحكم بتقويم واشنطن لمصالحها الخارجية٬ كائًنا من كان رئيسها.

سواء كان انكفاء الرئيس أوباما عن التعامل مع الوضع السوري من موقع الزعامة العالمية٬ حصيلة قناعة شخصية أم نتيجة تقاطع هذه القناعة مع ظاهرة موسمية قد تكون ظاهرة «التعب» من أعباء الزعامة الدولية٬ يجب ألا يغيب عن ذهن واشنطن أن البديل الدولي المتحفز لملء فراغ الزعامة الدولية ليست الصومال أو زيمباوي أو ليزوتو بل روسيا «البوتينية»… ومأساة حلب خير شاهد على ما يفرزه الانكفاء الأميركي عن الساحة الدولية من خلل في معادلة «القوة والقيم».

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎