إيران وتركيا وبلاد العرب

إيران وتركيا وبلاد العرب

أيمن الصفدي

في نهايات القرن الماضي، تسلّلت إيران إلى المنطقة العربيّة تحت غطاء العداء لإسرائيل والدعم لنهج مقاومةٍ مفترضة. لكن سرعان ما تبيّن أنّ دعم إيران المزعوم للعرب ودفاعها اللفظي عن حقوقهم في فلسطين لم يكونا إلّا ذريعةً للتوسّع وفرض الهيمنة في العالم العربي.

سياسات إيران في لبنان وفي العراق وفي سورية بعدذاك عرّت حقيقة مواقفها. ونتيجةً لهذه السياسات، فقدت طهران الشعبيّة التي كانت بنتها في المنطقة عبر اللعب على وتر العداء المزعوم للاحتلال الإسرائيلي. صارت إيران في نظر أعدادٍ متزايدةٍ من العرب خصماً يسعى لخدمة مصالحه وإشباع أطماعه على حساب مصالحهم وحقّهم في أوطانٍ آمنة.

والصحيح أنّ إيران ما كانت لتتمكّن من التوغّل بهذا القدر في بلاد العرب لو أنّها وجدت من يمنعها. اخترقت إيران العواصم العربيّة عبر الفراغ الذي أوجدته الانقسامات الداخليّة وغياب التوافق العربي على الحدّ الأدنى من الأهداف المشتركة.

في لبنان استغلّت طهران قلّة الاهتمام العربي فضخّت الأموال والأفكار والعقائديّات، وجعلت من حليفها حزب الله القوّة الأكبر. وفي العراق تمكّنت إيران لأنّ العرب تخلّوا عن عراق ما بعد صدّام فتركوه لها تحيله ساحة نفوذ. وما كانت إيران لتحتلّ سورية لو أنّ العرب تحرّكوا بشكلٍ فاعلٍ قبل انهيار الدولة، ولم يتركوا الملفّ السوري يتيماً لا متبنيّ له تدفعه نحو الهاوية مغامراتيّة بعض العرب وهوس عظمة بعض من يدّعي نصرة الشعب السوري.

فقدت إيران شعبيّتها لكنّها لم تفقد النفوذ الذي بنته في غير دولةٍ عربيّة. فهي، عبر حزب الله، ما تزال تتحكّم بمصير لبنان. وفي سورية إيران شريكةٌ فاعلةٌ في الجريمة ضدّ الشعب السوري، بينما يمارس ساستها وقادتها العسكريّون سلطاتٍ واسعةً في العراق. ومن خلال دعم الحوثيّين، فجّرت طهران نار الحرب في اليمن الذي تريده شوكةً في خاصرة الخليج العربي.

من غير المتوقّع أن يتراجع النفوذ الإيراني في أيّ وقتٍ قريب. لكنّ إيران تجد نفسها اليوم مضطّرة لتقاسم هذا النفوذ مع قوّة إقليميّة أخرى ترى أيضاً إلى عالم العرب مساحة نفوذٍ طبيعيّة: تركيا.

مثل ما فعلت إيران سابقاً، استعملت أنقرة القضية الفلسطينيّة مدخلاً لكسب الشعبيّة في بلاد العرب. بعدذاك اعتبر أردوغان ”الربيع العربي“ فرصةً لدعم القوى المنسجمة مع عقائديّته السياسيّة والمتقبّلة لطموحه تولّي الزعامة الإقليميّة. لكن حين فشلت سياساته في تحقيق أهدافها، عدّل أردوغان مواقفه إزاء القوى غير العربيّة المؤثّرة في المنطقة. فأعاد تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ويعمل الآن على ”دوزنة“ مواقفه نحو سورية بحيث لا تتصادم مع المعزوفة الروسيّة هناك.

هذا التنافس لن يؤدّي إلى مواجهة إيرانيّة-تركيّة. ستدير القوّتان الإقليميّتان تنافسهما على الهيمنة على بلاد العرب وفق معادلاتٍ تضمن حماية مصالحهما، وتحيّد أثر خلافاتهما عليها. لذلك يعقد مسؤولو البلدين اللقاءات ويوقّعون اتّفاقيّات التعاون ذات الأثر الإيجابي الفعلي عليهما. وبالطبع، يستطيع الأتراك والإيرانيّون التعايش مع خلافاتهم، طالما أنّ ثمن تنافسهم الأكبر يدفعه السوريّون والعراقيّون واللبنانيّون واليمنيّون في بلادهم.

الغد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com