كيف ينتصر الدم على السيف؟ – إرم نيوز‬‎

كيف ينتصر الدم على السيف؟

كيف ينتصر الدم على السيف؟
كيري ولافروف يؤكدان ضرورة إطلاق المفاوضات السورية في أقرب وقت

رضوان السيد

انشغل الأميركيون والأوروبيون بالفعل أخيراً بالمقتلة الدائرة في حلب. ويقول الأميركيون في اجتماعهم بحلفائهم في أوروبا إنّ كل الخيارات العسكرية والسياسية والاقتصادية مطروحة.

أما المراقبون الجدّيون فيرجّحون أنه بعد التهديد الروسي إن قُصفت قوات النظام السوري، فإنّ الرد سيكون مزلزلاً، بأن لا يلجأ الأميركيون ولا حلفاؤهم إلى قصف قوات النظام وتمركزاتها، بل ربما وافقوا لأردوغان على المنطقة الآمنة التي يريد إقامتها. وقد يزيدون من تسليح المعارضة بأسلحة نوعية. ويكتفون مع الأكراد بالمناطق التي سيطروا عليها، ويدفعون الأتراك و«الجيش الحر» باتجاه الرقة بعد الباب. وإذا كانوا صارمين جداً فقد يحمون بالطيران قوافل المساعدات لنجدة حلب، وإن يكن ذلك غير مرجَّح.

لماذا وصل الأمر إلى هذا الحدّ؟ منذ ثلاث سنواتٍ هناك تعاوُنٌ وثيقٌ بين كيري ولافروف. وقد أعطت الولايات المتحدة روسيا الأَولوية في سوريا، منذ أعرضت عن قصف قوات النظام بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة. وقد فهم الروس الرسالة، ودخلوا بشروطهم وشروط النظام في المفاوضات السياسية التي ما كان منتظَراً أن تُنتج شيئاً. وكان الروس يراهنون في المماطلة على أن يستطيع الإيرانيون وقوات النظام مع الميليشيات من حزب الله والعراق وأفغانستان وباكستان الانتصار في الحرب، فيأتي الحلُّ السياسيُّ الذي يرعاه الروس والأميركان لمصلحة الأسد ونظامه وحرس سليماني الثوري. لكنّ الروس وبعد الاستيلاء من جانب المسلَّحين على إدلب، أدركوا أنّ الإيرانيين (وقد بلغت قواتهم وميليشياتهم الستين ألفاً منذ عام 2015) كانوا واهمين، وبخاصةٍ بعد أن زارهم سليماني مرتين مستحثاً إياهم على التدخل. وتدخل الروس بالطيران الكثيف قبل عام، وما وفّروا هم وقوات الأسد وميليشيات إيران المستشفيات والأفران والمدارس. وقد تقدمت قوات النظام وإيران في ريف دمشق، وفي ريف اللاذقية والجنوب. ومع ذلك فإنّ المسلَّحين الذين فقدوا معبر «الكاستيلو» بحيث حوصرت قواتهم ومدنيوهم في شرق حلب، عادوا فاستولوا على «الراموسة» والكليات العسكرية المحصنة جداً، واحتاج الأمر إلى عدة أسابيع حتى استعادها الطيران الروسي، مع خسائر فادحة للنظام والإيرانيين والمسلَّحين على الأرض.

وما كان كيري واهماً ولا جاهلاً، لكنّ قرار الرئيس الأميركي كان ولا يزال عدم التدخل في سوريا، وإعطاء الروس الفرصة لتحقيق انتصار محدود، يسمح بالوصول إلى حلّ سياسي، مع بقاء الأسد لسنتين قادمتين. وهذا هو تفسير الرئيس الأميركي للأرجحية الروسية في مقابل حلّ اللا غالب واللا مغلوب. وبهذا الاقتناع أقبل كيري على التفاوُض مع لافروف حتى على التعاون أو التنسيق العسكري. وبعد ساعاتٍ طويلةٍ (نحو أربعين ساعة خلال شهرين)، وحديثين بين بوتين وأوباما، توصل الطرفان إلى اتفاق يبدأ بهدنة وإدخال للمساعدات إلى شرق حلب. وهنا اعترض العسكريون الأميركيون يقودهم وزير الدفاع فهم لا يقبلون تنسيقاً عسكرياً واستخباراتياً مع الروس غير المأمونين، ويخشون من تبادل المعلومات التي يمكن أن تؤثر على أمن قواتهم الخاصة في سوريا والعراق. وعجز الرئيس وكيري عن إقناعهم، في الوقت الذي كان فيه الروس يلحّون على أنه إن لم يجرِ التعاون ضد «النصرة» و«أحرار الشام»، فإنهم لن يسمحوا بإدخال المساعدات، ولا باستمرار الهدنة. وقصفوا قافلة المساعدات الآتية من تركيا بالفعل، فردَّ الأميركيون بقصف قوات النظام في دير الزور «خطأ»! وهكذا جُنَّ جنون بوتين فأنهى الهدنة، وعزم على الاستيلاء على شرق حلب بالقوة لأنّ الأميركيين لم ينفذوا الاتفاق!

.. وهنا كما في حرب العراق، انتصرت حرب الصورة ووسائل الاتصال. حيث نقلت وسائل الإعلام العالمية وقائع فظائع الروس والأسد والإيرانيين على المدنيين بالذات في حلب وعلى مدار الساعة. وحققت القوات الإيرانية والمتأيرنة بعض التقدم على الأرض. لكنّ الثلاثة آلاف روسي الذين حضروا إلى الجبهة -في ما يقال- لم يشاركوا بعد. والمسلَّحون المعارضون ما أظهروا انهياراً، بينما جاع المدنيون وتاهوا وضاعوا. ولذا فإنّ الفرنسيين والبريطانيين والأمم المتحدة، حمّلوا روسيا المسؤولية عن المذابح.

في العاشورائيات الجارية هذه الأيام، يقول الخطباء إنّ الدم الحسيني انتصر على السيف! فهل ينتصر دم الشعب السوري على الميليشيات الإيرانية؟ لقد عجز بوتين عن الانتصار بالسيف، فعاد للمطالبة بالتعاون الأميركي. لكنْ بين القصف والتفاوض ستضيع حلب، وتُهجَّر البقية الباقية من الأحياء إلى «المنطقة الآمنة» التي يريدها أردوغان.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com