صانعة العروش – إرم نيوز‬‎

صانعة العروش

صانعة العروش

خالد القشطيني

ماذا تصنع المرأة «الخيبانة والحيرانة»؟ هكذا كانت المس غرترود بل، الدبلوماسية الإنجليزية التي تعرضت لنكبات شخصية في أوائل شبابها كان منها فقدانها لخطيبها. لا، بل ولخطيبين اثنين خلال الحرب العظمى. صدمة بعد صدمة! أين تجد سلوانها؟ وجدته في العراق، وقل: يا للعجب! عينوها سكرتيرة ملحقة بالمندوب السامي في بغداد في العشرينات عند تأسيس المملكة العراقية. كان الملك فيصل الأول قد فقد عرشه في سوريا. ووجد الإنجليز عرًشا خاليًا وجاهًزا له في العراق. كلفوه من حيث لم يتوقع هذه المسؤولية. ووجدت غرترود بل مهمة إعداده لحكم هذا البلد المضطرب خير ملاذ لها من مشكلاتها النفسية.

انكبت على المهمة بحماس عجيب. راحت تعده للحكم الملوكي من حذائه إلى قمة رأسه. لم يكن في البلد أي شيء من مستلزمات «ملك». لاقت صعوبة حتى في العثور على كرسي مهيب يصلح لجلوس صاحب سلطان. انكبت على هذه الحاجة وبحثت عن نجار حاذق يتولى المهمة. ولا أشك في أنها كانت تشرف على أدق التفاصيل لما يصلح أن يكون عرًشا للحكم. لُقّبت بأنها كانت صانعة الملوك، وانطبق هذا اللقب عليها تماًما. لَم لا وقد أشرفت على صنع عرش! أطلق عليها العراقيون لقب «خاتون». واعتبروها مجرد جاسوسة مكلفة تثبيت الانتداب البريطاني على العراق. وكان ذلك مفهوًما منهم، فلم يسبق لهم أن عرفوا امرأة شابة تزج نفسها في كل صغيرة وكبيرة من الموقف العراقي وبناء دولة بهذا الحماس.

التقاها أمين الريحاني، وقد سبق وكتبت عنه، التقاها خلال زيارته لبغداد. ودّون في كتابه الشهير «ملوك العرب» انطباعاته عنها. وكشف ما كتبه عن ذلك الجانب المأساوي والنفساني الذي كانت تمر به وتعاني منه. قال: «كانت تدخن السجائر واحدة بعد الأخرى، ولا تستقر في مكان، تتبختر من زاوية لزاوية وتتكلم دون انقطاع. قلت في نفسي: الحمد لله لا تزال (الخاتون) امرأة».

عزا أمين الريحاني سلوكها هذا لأنوثتها كامرأة. يظهر أنه لم يعرف الكثير عن خلفيتها النفسية وما سبق ومرت به. ومما لا شك فيه أنها قد ألّمت باتهامات العراقيين لها. انتهزت فرصة لقائها بهذا العربي الأميركي لتبث شيئًا من لواعجها. قال: كادت تزيح الستار الدبلوماسي كله لتثبت لي أنها كانت مخلصة لفيصل وللعراقيين، وتؤكد أن الإنجليز لا يزالون أصدقاء للعرب، وأقرب الناس إليهم. ثم أضافت: «لا شك أنك تيقنت من ذلك خلال رحلتك، يا أمين أفندي».

كان الملك فيصل مستاء في تلك الأيام من المندوب السامي، ومنها، ولم يوقع على المعاهدة بين العراق وبريطانيا. فتكلمت في هذا الصدد، وقالت: «قد سعيُت سعيًا متواصلاً من أجل الملك فيصل، فأقنعت رؤساء العشائر وجعلتهم يميلون إليه. كانوا يقولون لي، يا أمين أفندي: هذا حجازي غريب عنا. وقلت لهم: أنا أتكفل به. أنا الكفيلة الآن للملك فيصل! صدقني يا أمين أفندي. أنا أحب العراق أكثر من حبي لبلدي. أنا عراقية».

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com