هل يكون للبنان في الجلسة المقبلة رئيس لا يشكّل انتخابه كسراً لأحد؟ – إرم نيوز‬‎

هل يكون للبنان في الجلسة المقبلة رئيس لا يشكّل انتخابه كسراً لأحد؟

هل يكون للبنان في الجلسة المقبلة رئيس لا يشكّل انتخابه كسراً لأحد؟

اميل خوري

 

 

في القول المأثور: ”من جرَّب مجرّب كان عقله مخرّب“، وفي قول معبّر للبطريرك الكاردينال صفير وجّهه الى النواب في مناسبة انتخابات رئاسية: ”انتخبوا من لا يخجل حاضره بماضيه“، وهذا معناه انتخاب رجل حكيم وذي ثقة، رئيس ثابت في مواقفه ومبادئه الوطنية ولا يغيّرها بتغيّر الظروف والاحوال والمصالح.

فمرشّح للرئاسة يتحلّى بهذه الصفات وله مواصفات تنطبق عليها متطلبات المرحلة، ليس في حاجة الى شروط ولا الى اتفاق مسبق على سلة، فالثقة به كافية كي يتصرّف تصرّف الرئيس الحكيم والعادل وإدارة التوازنات الداخلية بحكمة وتعقّل ليتجنب مواجهة الأزمات.

أما المرشح الذي لا ثقة به ومتهوّر فلا تنفع معه شروط ولا تقيّده مواثيق، والمجلس النيابي الذي ينتخبه يتحمّل وحده مسؤولية انتخابه. فعلى الأكثرية النيابية التي تنتخب رئيس الجمهورية أن تتحمل مسؤولية انتخابه لئلا يخيب آمالها وتكون قد أخطأت في انتخابه ولا يعود ينفع الندم. اما انتخاب رئيس لا ثقة به فلا ينفع معه فرض شروط عليه ولا مواثيق، خصوصاً اذا كان معروفاً بمواقفه المتقلّبة وبتقديم مصالحه الذاتية على كل مصلحة، علماً أن الدستور لم يحمّل رئيس الجمهورية أية تبعة حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى، وهو وحده من يقسم أمام البرلمان يمين الاخلاص للأمة والدستور كونه ”رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدة أراضيه“.

لذلك لا حاجة الى تحميله مسؤولية تنفيذ مضمون أي سلة حتى لو تعهد التزام تنفيذها لأنه لا يمتلك صلاحيات النظام الرئاسي ولا حتى صلاحية تشكيل حكومة وحده كما في دستور ما قبل الطائف، بل صلاحية تشكيلها بالاتفاق مع الرئيس المكلّف.

فكفى إذاً إضاعة للوقت في ربط انتخاب رئيس الجمهورية تارة بالاتفاق على قانون للانتخاب، وتارة أخرى بالاتفاق على تشكيل الحكومة أو على غير ذلك من الأمور التي ليست من صلاحيات الرئيس. لذلك مطلوب من القادة ومن مجلس النواب انتخاب مرشح للرئاسة يوحي الثقة وله مواقفه الوطنية المعروفة والثابتة وماضيه يشهد له على ذلك.

لقد حدد الدستور صلاحية كل سلطة كي لا تعتدي على أخرى. فحدّد لرئيس الجمهورية صلاحيات، ولمجلس النواب انتخاب من يثق به ولا يكون بممارساته الخاطئة متهوّراً في اتخاذ القرارات فيعرّض البلاد لخضات أمنية وانهيارات اقتصادية ومالية، وإلا كان المجلس هو المسؤول عن انتخابه. وحدّد الدستور للرئيس المكلّف تشكيل الحكومة صلاحيات تمنع عليه تشكيلها إلا بالاتفاق مع رئيس الجمهورية.

لقد مرّت على الشغور الرئاسي سنتان ونصف سنة، ولم يعد لبنان يتحمّل سياسة انتظار خارج ليصنع له رئيساً، ولا اتفاق الداخل عليه، بل على القادة فيه أن يعملوا بقول البطريرك صفير وهو انتخاب مرشّح لا يخجل حاضره بماضيه، ويكون موضع ثقة، فمثل هذا الرئيس لا يحتاج الى وضع شروط عليه.

أما من لا ثقة به وحاضره يخجل بماضيه، فمهما وُضعت عليه شروط فإنه لا يتقيد بها حتى وإن وعد بالتزام تنفيذها. لذلك يمكن القول إن رجل الثقة والضمير الحي لا يحتاج الى أن تفرض عليه شروط مسبقة إنما هو الذي يفرض شروطاً على نفسه بوحي من ضميره واخلاصه لوطنه. أما رجل اللاثقة فيقبل بكل الشروط مهما تكن قاسية لأنه لن ينفّذها.

هل يأمل اللبنانيون في أن يكون لهم رئيس للجمهورية في جلسة الانتخاب المقبلة، أم أن النواب المقاطعين سيستمرون في مقاطعتهم الجلسة لأنهم ينتظرون ”كلمة السر“ من الخارج، وعندئذ يتحملون وحدهم المسؤولية أمام الله والوطن والتاريخ. وليتذكر العماد ميشال عون قولاً في مقال له وهو في باريس تحت عنوان: ”التاريخ هو الذي يحاسبنا على أعمالنا“، وليتذكر أيضاً قول يوسف بك كرم وهو يغادر لبنان نهائياً: ”أضحّي بنفسي من أجل لبنان“.

فهل من يسمع ومن يتعظ فيكون للبنان رئيس لا يشكل انتخابه كسراً لأحد بل انتصاراً للبنان، ويكون قادراً على تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي بات لا بد منها للخروج من الأزمات والأخطار التي تتهدده. فالرئيس الطرف هو رئيس غالب ومغلوب ولا يستطيع تحقيق هذه المصالحة الضرورية.

النهار

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com