من الموصل إلى الرقّة: ما قبل «داعش» وما بعده – إرم نيوز‬‎

من الموصل إلى الرقّة: ما قبل «داعش» وما بعده

من الموصل إلى الرقّة: ما قبل «داعش» وما بعده
Islamic State flag flying on clear sky.

عبد الوهاب بدرخان

يُحكم الطوق حول الموصل، موقعاً بعد موقع، من الجنوب حيث أصبح الخط مفتوحاً من بغداد إلى الشرقاط فالقيارة مع عزل الحويجة آخر مواقع تنظيم «داعش» في محافظة صلاح الدين، ومن الشمال والشمال الشرقي بوساطة البيشمركة الكردية، ومن الغرب باستكمال تحرير نواحي الرمادي. بعد عامين وأربعة شهور تتقلّص «دولة الخلافة» يوماً بعد يوم، وأصبحت المعركة الكبرى في نينوى ممكنة رغم كل ما يواكبها من مناحرات سياسية متعمّدة في بغداد. ولا مجال للأوهام، فالموصل مرشحة لدمار كبير، ككل المدن التي سبقتها، على أيدي «الدواعش» المتسلّطين عليها أو على أيدي المتأهّبين لتحريرها، وكأن دمار الحواضر هذا هو الهدف أولاً وآخراً.

كان آخر الاستعدادات السياسية ذلك الاجتماع في أربيل للأطراف الثلاثة، الأميركي والعراقي والكردي، وقيل إنه توصّل إلى حلّ إشكالات تتعلّق بنيات الكرد حيال المناطق التي يشاركون في تحريرها (بعضٌ منها متنازع عليه)، أو بخطط المعركة ومجالات إشراك مقاتلي العشائر السُنّية. لكن الغموض ظلّ يكتنف دور إيران كطرف رابع غير معلن لكنه محتمل من خلال ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية. صحيح أن أقطاب السنّة الموليين دأبوا على التصريح برفض مشاركة هذا «الحشد»، لكن حكومة بغداد تبدو ملزمة إيرانياً بفرض الميليشيات، بل إنها قامت بكل ما تستطيعه لإضفاء «شرعية» عليها واعتبارها جزءاً من الجيش العراقي، ثم إن الولايات المتحدة التي عارضت منذ البداية أي دور لـ«الحشد» ما لبثت أن رضخت للأمر الواقع في معظم المراحل السابقة رغم أن خبراءها ومستشاريها يلمسون على الأرض النتائج السلبية لهذا التنازل.

وعندما التقى رئيس الوزراء العراقي مع الرئيس الأميركي في نيويورك جرى تأكيد التوافقات التي أقرّت في أربيل، ومنها على الأخصّ ترتيبات الإدارة التي ستتولّى شؤون الموصل بعد تحريرها من «داعش»، بالاعتماد تحديداً على مجلس المحافظة الذي يضم ممثلين أكراداً. ومن الواضح أن الأطراف المعنية تعي خطورة «ما بعد داعش» وتناقشه باستفاضة، لكن هل نجحت في رسم الصيغة المناسبة للتعامل معه؟ لا شيء مؤكّداً. وإذ كانت لباراك أوباما عبارة لافتة جاء فيها أن الهدف ليس طرد «داعش» وضمان عدم عودته فحسب، بل أيضاً «ضمان عدم عودة المعتقدات المتطرفة التي ولّدها اليأس» في المناطق التي استولى عليها التنظيم. وهذا كلام عام يرجّح افتراض أن «المعتقدات المتطرّفة» وجدت تلقائياً في تلك المناطق، ولا يشير إلى الأسباب التي أدّت إلى ذلك «اليأس».

لكن أوباما يعرف جيداً أن السياسات الإيرانية لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي كانت مسؤولة عن إذلال المحافظات السنّية والتحريض على «استدعاشها»، وإذا كانت أسلوب حيدر العبادي اختلف شكلياً فلأن طهران اختارت الحفاظ على مضامين سياساتها العراقية بتكتيكات مختلفة تمثّلت خصوصاً بمضاعفة أعداد الميليشيات وهيمنتها، بغية تهميش الجيش العراقي وإضعاف الحكومة على النحو الذي يمارس الآن في استجوابات الفساد في البرلمان، ولم يعد خافياً أن المالكي هو مَن يديرها.

يمكن لأطراف معركة الموصل الادعاء بأن لديهم خطة لـ «ما بعد داعش»، لكنها لا تملك ضماناً صلباً لإحباط الخطط الإيرانية. لكنها بالتأكيد لا تملك خطّة لما بعد تحرير الرقّة، فالأميركيون لا يزالون يعوّلون على الأكراد، وهؤلاء برهنوا أنهم يعملون أولاً لأجندتهم الخاصة، وبالتالي فإنهم لا يصلحون لإدارة المدينة وامتداداتها بعد طرد «داعش»، ولا هم ولا الأميركيون معنيّون بتسليم المنطقة إلى المعارضة، ولو عاد الأمر إلى الأكراد، فإنهم سيسلّمونها إلى النظام، أي إلى الجهة التي استعدَت الرقّة ودفعتها إلى الاحتماء بـ «الجيش السوري الحرّ»، ثم ساعدت «داعش» على طرد هذا الجيش منها. وهذا يعيد المدينة إلى المربع الأول، أي إلى الدوامة نفسها.

يفصل الأميركيون بين الموصل والرقّة وبين معركتيهما، بهدف تبديد الوصل «الداعشي» بينهما، لكن التشابه بين المدينتين يكمن في صيغة تحريرهما والأطراف المعنية بتحقيقه. ففي الحالين هناك القوة الخارجية الأميركية، مستندة بشكل أساسي إلى قوة «محلية» لا تخفي انفصاليتها، وتختلف الموصل بوجود قوة حكومية يصعب الوثوق بها طالما أنها مزيّلة بـ «الحشد»، أما الرقّة فتشهد حالياً تزاحماً تركياً – كردياً على تحريرها، ويصعب أيضاً الوثوق بهذين الطرفين. ورغم محاولة الفصل الأميركي فإن مَن يواصل وصل المدينتين بل يربطهما بحلب هو الطرف الإيراني، فهذه المدن تشكّل قوام استراتيجية مدّ نفوذه و«هلاله الشيعي». إذا كان أوباما متعايشاً مع مشروع كهذا فإنه بذلك يضمن عودة «داعش» إلى المناطق التي يتفاخر بأنه يحرّرها.

الاتحاد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com