عالم من الأسوار – إرم نيوز‬‎

عالم من الأسوار

عالم من الأسوار

سمير عطا الله

أعلنت بريطانيا نيتها بناء جدار عاٍل يرد عنها صفوف اللاجئين الذين يعتصمون منذ أشهر طويلة عبر البحر في الأراضي الفرنسية. ولن يكون بالتأكيد

بارتفاع الجدار الذي ينوي دونالد ترامب بناءه على الحدود مع المكسيك٬ بعد ما أعلن عن وجود 11 مليون مهاجر غير شرعي في الأراضي الأميركية. وإذا تأملنا خريطة العالم في العقود الأخيرة٬ نرى أنه مخطط بجدران كثيرة٬ أو أسوار٬ إذا شئت٬ بدأتها إسرائيل على نحو واسع٬ وأصبحت مثالاًُيحتذى في الفصل بين الناس.

وقد تسأل: وماذا عن جدار برلين الذي كان علامة الأسوار البشرية في القرن العشرين٬ كما كان سور الصين العظيم نحو القرن الثالث الميلادي؟ الحقيقة أن جدار برلين هو الأول٬ وربما الأخير الذي أقيم لمنع الناس من الخروج٬ وليس من الدخول. لقد طلب نيكيتا خروشوف من الرفاق في ألمانيا الشرقية إقامة الجدار٬ بعدما فّر نحو 3 ملايين ألماني شرقي إلى ألمانيا الغربية طلًبا للحرية وحياة أفضل. أما سائر الجدران في التاريخ فهي جدران حماية من الخارج. أشهرها وأهمها السور الذي بناه أول إمبراطور لعموم الصين المدعو شه هوانج تي.

وكان أول ما فعله صاحبنا أن اعتبر٬ مثل الحكام العرب٬ كل ما سبقه بائًدا. أمر بإحراق جميع الكتب تحت طائلة الموت بالإعدام. وألغى تعاليم كونفوشيوس ولاوتزي. وأقام شبكة جديدة من الطرقات في كل مكان٬ ثم بدأ مشروعه الهائل٬ أي سور الصين العظيم. ولا يزال السور قائًما حتى اليوم٬ جداًرا مزدوًجا من الحجارة والأبراج الطويلة يمتد عبر السهول ويمر بالأودية٬ ثم يصعد الجبال الحادة الجوانب متجاوًزا المنحدرات على طول الحدود التي تبلغ نحو أربعة آلاف ميل. كل ذلك من أجل حماية فلاحي الصين ورجالها وبلداتها من القبائل المتوحشة القادمة من البوادي في سهول آسيا الداخلية.

وكان لا بد من أن يكون السور متيًنا يقاوم حملات النهب والقتل. وقد أُعيد ترميمه وبناؤه عبر القرون بحيث لا يزال قائًما حتى اليوم أعجوبة من أعاجيب العمران عبر التاريخ. لم يدم حكم هوانج تي طويلاً. وما لبث خلفاؤه أن أعادوا الكتب وتعاليم كونفوشيوس٬ التي جاء الشيرمان ماو فمحاها من جديد٬ ونشر بين الناس تعاليمه والكتاب «الأحمر».

غير أن الصين عادت من جديد إلى حضاراتها القديمة. والواقع أنها البلد الذي عاش في ظل حكم الحكماء أكثر من أي بلد آخر في العالم. وكانت المناصب العليا تذهب لمن يحقق العلامات الأعلى بالامتحانات. وهي امتحانات صعبة بالتأكيد٬ تتضمن أولاً حفظ جميع الكتب والتعاليم القديمة٬ ومعرفة الآلاف من الأحرف والأشكال التي تتألف منها اللغة الصينية. عبًثا حاول هوانج محو الماضي.

الشرق الأوسط

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com