فكرٌ مدنيٌّ يكسر الإقصائيّة – إرم نيوز‬‎

فكرٌ مدنيٌّ يكسر الإقصائيّة

فكرٌ مدنيٌّ يكسر الإقصائيّة

أيمن الصفدي

يكشف الحراك الانتخابي بدائيّة المشهد السياسي في المملكة. تتبدّى هذه البدائيّة غياباً للبرامج واجتراراً لشعارات معدومة الأثر الفعلي. مئات المرشّحين يتنافسون على ثقة الناخبين اعتماداً على روابط القربى ومزايداتٍ لا تقدّم ولا تؤخّر. الأحزاب غائبة، ولا حديث عن البرامج في الحملات التي تُشنّ عبر اليافطات والصور ووعودٍ بإنجازاتٍ يقترب كثيرٌ منها من المستحيل.

لكنّ في هذا المشهد سببٌ للأمل.

فهذا الراهن دفع نحو تبنّي قانون انتخابٍ جديدٍ يستهدف تشجيع العمل الجماعي القادر على بلورة البرامج والخطط للإسهام في مسيرة المملكة. فرض القانون التنافس في الانتخابات ضمن قوائم يعرف الجميع أنّها أطرٌ آنيّةٌ ستتفكّك لحظة انتهاء التصويت. بيد أنّ الجميع يعرف أيضاً أنّ تحقيق القانون غايته يتطلّب وقتاً تنضج خلاله أحزابٌ فاعلةٌ ذات حضورٍ شعبيٍّ، وتملك الرؤى والتصوّرات العمليّة لتطوير الحياة السياسية ومنتجاتها. الانتخابات خطوةٌ على هذه الطريق.

فالديمقراطيّة، بداية وأساساً، ثقافةٌ تتكرّس بالتدرّج، وتنضج، هي وأطر ممارستها، بالتدرّج أيضاً. والانتخابات القادمة محكومةٌ بقانونٍ أفضل من التشريعات التي سبقته، وتشهد محاولاتٍ لخوضها على أسسٍ أكثر حداثةً مما كان في الماضي. والمنطق يقول إنّ الانتخابات التي ستليها ستشهد تطوّراً أكبر، إذ سيكون المجتمع استفاد من دروس التجربة وقصوراتها، وسيكون الاقتناع بضرورة التقدّم نحو العمل السياسي الجماعي قد ثمّر نجاحاً نحو بناء أحزابٍ تستطيع استقطاب أصوات الناس.

وبعكس ما تدّعيه أصواتٌ رفضويّةٌ تعتاش على التيئيس، المملكة عامرةٌ تتيح بيئتها المستقرّة وسياساتها المستنيرة التدرّج نحو اكتمال الديمقراطية مؤسّساتٍ وممارسةٍ وثقافةٍ منفتحةٍ تحتفل بالحياة وبالتنوع وبالتعدّديّة. من هذه البيئة تتفتّح طروحاتٌ جديدةٌ في الحملات الانتخابيّة الحاليّة تتحدّى البلادة السياسيّة والاستبداديّة الثقافيّة، لتجهر بحقّ الوطن في التقدّم في رحابة الدولة المدنيّة التي تحتفل بالاستنارة والتعدّديّة وقيم المواطنة.

لن يتمثّل إلا عددٌ محدودٌ من أصحاب هذه الطروحات المنعشة في المجلس النيابي القادم.  وهذا أمرٌ متوقّعٌ، ولا يقلّل من أهمّية بروز هذه الطروحات برنامجاً يطلب دعم الناخبين على أساسه. ذاك أنّ القول بالدولة المدنيّة ندّاً للطروحات التقليديّة المغلقة والتوظيفات العاطفيّة للشعاراتيّة اللاعبة على المشاعر يمثّل صرخة ثقةٍ بالمجتمع وبالنفس، وكسراً لحاجز الخوف من استبدادٍ ثقافيٍّ تزداد سطوته تجذّراً في يأس ما بعد فشل ”الربيع العربي“.

لم يخل المجتمع يوماً من الفكر الحداثي الذي يرى إلى تكريس الثقافة المدنيّة التعدديّة بناءً على منجزات الأردن وتحصيناً للمملكة من آفات الفكر الإقصائي الذي يدمّر جوارها. لكنّ هذا الفكر لم يتبلور قاعدةً لعملٍ جماعيٍّ مؤطّرٍ في حزبٍ أو تكتّل. تبنّي هذا الفكر برنامجاً انتخابيّاً لأفرادٍ، حتّى ولو محدودين، في غير دائرةٍ انتخابيّةٍ خطوةٌ مهمّةٌ أيضا في التطوّر السياسي الذي تحتاجه المملكة حمايةً لمستقبلها.

فالفكر الإلغائي يتمدّد. وعبره تتسلّل ظلاميّات ”داعش“ وما دونها من سمومٍ تتماهى مع مواقف المنظّمات الإرهابيّة في عقائديّتها الإقصائيّة التي ترفض الآخر وتروّج للفتنة والانقسام. والتصدّي لهذه الأخطار يكون في انتشار الفكر التنويري المؤمن بالدولة المدنيّة ثقافةً مجتمعيّةً يعبّر عنها أحزابٌ ونوّابٌ ومؤسّسات مجتمع مدني.

في الانتخابات القادمة وفي حملاتها الانتخابيّة ما يذكّر بألمٍ بضعف البنية التحتيّة للعمل السياسي القادر على إنتاج مجالس نيابيّةٍ مؤهّلةٍ فاعلة. لكنّ فيها أيضاً مؤشّراتٌ كثيرةٌ أنّ الإحساس بضرورة التطوير بدأ ينضج جهداً حقيقيّاً لمعالجة الوهن المؤسّساتي وإقامة آليّات العمل الجماعي، ومواقف فكريّةً ترفض الشموليّات الثقافيّة، وتتصدّى لخراب نهج دعاتها.

الغد

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com