الإرهاب والتبريرات المضللة

الإرهاب والتبريرات المضللة

إن تبريرات الإرهاب أشد خطراً من فكر الإرهاب نفسه، لأنها تضفي بعض البطولة والتمجيد على العمل الإرهابي، ولأن القول بأن هؤلاء الشباب الذين يفجرون أنفسهم في مدنيين أبرياء، إنما ينتقمون من «الغرب الظالم» وسياساته العدوانية ضد المسلمين في العراق وفلسطين واليمن وأفغانستان..

عبد الحميد الأنصاري

أدانت محكمة بريطانية المتشدد «أنجم تشودري» بتهمة الدعوة إلى تنظيم «داعش» الإرهابي، عبر محاضرات على الإنترنت ورسائل تشجيع على دعم التنظيم الإرهابي. تشودري، هو الذراع اليمنى لعمر بكري، المطرود من بريطانيا في 2005، والذي كان يعد وكيل بن لادن في أوروبا، كما أنه الزعيم السابق لجماعة «المهاجرون» المحظورة، والتي كانت خلية نشطة في إنتاج المتشددين وتصديرهم إلى الخارج، منذ تأسيسها في لندن في التسعينيات عَلى يدي بكري. واشتهر تشودري في الإعلام البريطاني بداعية الكراهية، وكان يظهر كثيراً في محطات تلفزيونية، عقب كل عمل إرهابي، ليتهم السياسة الخارجية الغربية ويحملها المسؤولية، بسبب استهدافها المسلمين.

وكشف موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» أنه أغلق 360 ألف حساب تروج للإرهاب، منذ منتصف 2015.

والآن تعمل جميع دول العالم جاهدة على مكافحة أخطر آفة فكرية عالمية تواجه العالم المعاصر، تهدد الشباب المسلم وتستولي على عقله ووجدانه وتزين له القتل طريقاً للخلاص وحلاً للأزمات.

العمل الإرهابي، دافعه فكر عدواني استحوذ على نفسية مأزومة بكراهية عميقة للحياة والحضارة. قبل سنوات، قال المغربي الذي قتل المخرج الهولندي «فان غوغ»: «لقد تصرفت انطلاقاً من معتقداتي الدينية، ولو أفرج عني لفعلتها ثانية». وقال لوالدة المخرج الباكية: «لا أستطيع أن أتعاطف معك، لأنك كافرة»! هكذا تفعل خطب الكراهية في نفوس البعض، تحولهم إلى كائنات لا إنسانية لديها. لذلك فالذين يلتمسون للإرهاب أعذاراً اجتماعية (شيوع المعاصي والمنكرات)، أو دوافع سياسية (رد مظالم الغرب ضد المسلمين، وتعسف الأنظمة العربية وتعذيبها للإسلاميين)، أو اقتصادية (الفقر والبطالة).. أو يعللونه بالجهل والأمية، أو يتذرعون بأنه «ردة فعل ضد الغلو العلماني».. كل هؤلاء واهمون ومخدوعون في تبريراتهم، ويساهمون في إطالة عمر الفكر الإرهابي، ويهيئون المناخ لتنامي خطاب الكراهية وانتشاره، ويدفعون مزيداً من الشباب المسلم المتحمس لاعتناق فكر الإرهاب.

إن تبريرات الإرهاب أشد خطراً من فكر الإرهاب نفسه، لأنها تضفي بعض البطولة والتمجيد على العمل الإرهابي، ولأن القول بأن هؤلاء الشباب الذين يفجرون أنفسهم في مدنيين أبرياء، إنما ينتقمون من «الغرب الظالم» وسياساته العدوانية ضد المسلمين في العراق وفلسطين واليمن وأفغانستان.. يُظهِر العمل الإرهابي عملاً ممجداً، يستهوي شباب المسلمين ضد المصالح الغربية في الدول الإسلامية!

الآفة الكبرى لهذه التبريرات أنها تشخص الفكر الإرهابي كـ«ردة فعل»، وهذا خطأ معرفي وتاريخي وأخلاقي، فالفكر الإرهابي قديم قدم تنظيم الخوارج الذين خرجوا على الخلافة الراشدة، وأرهبوا المسلمين. وعلى مر التاريخ الإسلامي، عرفت المجتمعات الإسلامية الإرهاب، حيث لا مظالم غربية ولا إسرائيل مزروعة في فلسطين، ولا استبداد سلطوي أو تعذيب ضد «الإسلاميين»، ولا فاقة أو حرمان اقتصادي، ولا «غلو علماني».. ومع ذلك وُجِد الفكر الإرهابي على امتداد التاريخ، يطفو على السطح كفقاعات الماء الزائفة من حين لآخر، في شكل جماعات متشددة تكفر المجتمع والدولة وتشهر السلاح وترهب الآمنين. يذكر التاريخ الإسلامي تنظيمات عديدة: الخوارج، والحشاشون، والقرامطة، و«الإخوان» الذين انشقوا على موحد الجزيرة الملك عبدالعزيز، وجماعة جهيمان، والجماعات التكفيرية في مصر والجزائر وباكستان، وجماعة «طالبان» و«القاعدة» و«داعش» و«بوكوحرام».. إلخ.

لكن ما يميز الإرهاب المعاصر عن الإرهاب التاريخي، أن الأول كان يظهر على هامش المجتمعات لفترة ثم يختفي إلى حين، بينما الإرهاب المعاصر له بناؤه الفكري العقدي الخاص، وله مفاهيمه الدينية، ومنابره وخطباؤه ومنظروه الذين يروجونه عبر مختلف الوسائط، وله أهدافه المعلنة وغير المعلنة.

ختاماً؛ على الإنسان أن يلغي عقله ليقتنع بأن الإرهاب «ردة فعل» على العدوان الغربي، وإلا فأي عقل يتقبل أن الطفل الذي فجر نفسه في حفل زفاف بمدينة غازي عنتاب، وقتل 51 شخصاً، كان يريد الانتقام من الغرب الظالم؟!

نقلا عن ”الاتحاد“