فيديو الركبان المزعوم

فيديو الركبان المزعوم

أيمن الصفدي

ولّد الفيديو المزعوم لـ“طفل الركبان“ حالاً من التعاطف استحالت، في وقتٍ قصيرٍ، حملة ضغطٍ على الأردن. هذه الحملة غير مبرّرة لأسبابٍ عدّة، أهمّها أنّه ليس هناك دليلٌ يشير إلى أنّ المملكة لم تقم بدورها الإنساني إزاء هذه القضيّة المزعومة أو غيرها.

استندت حملة التشويه والضغط على الأردن إلى صورٍ حملها فيديو مجهول المصدر لطفلٍ غير معروف الهويّة في مكانٍ لا شيء يؤكد أنّه مخيّم الركبان. وتفجرت الاتهامات انطلاقاً من ادّعاءٍ لشخصٍ أنّ المملكة رفضت معالجة الطفل. القوّات المسلّحة، المسؤولة عن المنطقة الحدوديّة المغلقة، قالت إنّها لم تتلقّ أيّ طلبٍ لعلاج الطفل المزعوم. منظمّات الأمم المتحدة العاملة في المنطقة، حسب مصدرٍ فيها، لا تملك معلومات تؤكد صحة الفيديو.

لِمَ الحملة، إذن، من دون التأكّد من صحّة الاتّهام؟ ومن أيّ قاعدةٍ أخلاقيّةٍ أو إنسانيّةٍ ينطلق أصحاب الحملة وهم يحاولون وضع دور المملكة الإنسانيّ في خانة التشكيك بناءً على إشاعة؟

ثمّة أسبابٌ كثيرةٌ أخرى تجعل من أيّ حملةٍ تستهدف تشويه الصورة الإنسانيّة المشرقة للمملكة في التعامل مع قضيّة اللاجئين السوريّين عبثاً معدوم الصدقيّة. فالأرقام والحقائق تثبت أنّ الأردن قَدّم في هذا السياق فوق طاقته، وأنّه لم يتوانَ عن المساعدة حيث يستطيع.

وتستمرّ المملكة في جهدها الإنسانيّ رغم خذلان كثيرٍ في العالم والمنطقة لها واللاجئين الذين تستضيف. يشكّل اللاجئون السوريّون حوالي 20 % من سكّان المملكة. يعيش معظم هؤلاء خارج المخيّمات، ويتلقّون التعليم في المدارس الحكوميّة ويتعالجون في المستشفيات العامّة. الدعم الدوليّ للمساعدة في التعامل مع هذا التحدّي في معظمه وعودٌ لا تنفّذ. والدور الإقليمي لدولٍ أكثر مالاً وأوسع مصادرَ نقطةٌ في بحر العطاء الأردنيّ.

ثمّة مسؤوليّةٌ إنسانيّةٌ على المملكة تجاه الأشقاء السوريّين تؤدّيها ما استطاعت. لكن مسؤوليّتها الأولى هي إزاء أمن الأردنيّين وسلامتهم. وفي هذا السياق يجب النظر إلى موضوع مخيّم الركبان.

هذا المخيّم خطرٌ أمني على الأردن. صحيحٌ أنّ فيه أبرياء. لكنْ فيه أيضاً إرهابيّون قطعوا مسافاتٍ شاسعةً من الشرق السوريّ ليتمركزوا على حدود الأردن. من الركبان انطلق الهجوم الإرهابي على شهدائنا. وفي الركبان ما تزال عصاباتٌ إرهابيّة تتحيّن الفرصة لتهديد الأمن الأردنيّ.

لذلك أعلنت المملكة الحدود مع سوريّة منطقةً عسكريّةً. لم تغلقها لتمنع العلاج عن طفلٍ سوريٍّ. أغلقتها لتمنع إرهابيّاً يستغلّ وجع أطفال سورية من تهديد أمن طفلٍ أردنيّ.

وإضافة إلى ذلك، يمثّل الركبان مسؤوليّةً دوليّةً لا يجوز أن يتحمّلها الأردن وحده. فعلى مدى أقلّ من عام، ارتفع عدد قاطني المخيّم ممّا يقلّ عن عشرين ألفاً إلى ما يزيد على مئة ألف. وقبل أن يصير المخيّم تلك المنطقة المكتظة باللاجئين والمهرّبين والإرهابيّين، حذّرت المملكة المجتمع الدولي من أنّ خطراً أمنيّاً يتنامى هناك. ودعت من لا يقبل روايتها أن يستضيف اللاجئين فيه ووعدت بتسهيل عملية نقلهم. لم تقم دولةٌ واحدةٌ باستقبال لاجئ واحد.

لم يفتح الأردن حدوده للاجئي الركبان لأسبابٍ موضوعيّةٍ تتعلّق بأمنه. لكنّه قدّم ما استطاع من دعم. وحين استغلّ الإرهابيّون الممر الإنسانيّ الذي أبقت عليه مع المخيّم، فرضت المملكة قواعد تعامل تحمي أمنها. وتتيح هذه القواعد تقديم الدعم الإنساني. فقبل أيّامٍ نقلت رافعاتٌ الغذاء والدواء من الأردن إلى الركبان. وطوال فترة الإغلاق، قدّمت المملكة العلاج لمئات من الحالات وصلتها طلباتها عبر قنواتٍ موثوقةٍ معتمدة.

المعلومات تقول إنّ ”طفل الركبان“ لم يكن بين هذه الطلبات. والقوّات المسلحة تؤكّد أنها كانت ستؤمّن له العلاج لو وصلتها قضيّته المزعومة. وذاك أمرٌ مسلّم. فمن اعتنى بمئات الآلاف من اللاجئين لن يتلكّأ في مساعدة طفل.

على هذه الخلفيّة، لا شيء إنسانيٌّ أو أخلاقيٌّ في إطلاق حملة ضغطٍ على المملكة استنادا إلى إشاعة. في ذلك انتقاصٌ غير إنسانيّ من جهود الألوف من العسكر الذين يسهرون على الحدود يحمونها، والذين حملوا آلاف الأطفال السوريّين إلى أمان الأردن بأيديهم.

الضغط على المملكة لفتح الحدود للاجئي الركبان سيتفاقم عبر سبلٍ متعدّدة. بيد أنّ موقف الدولة إزاء هذه القضيّة منيعٌ أمنيّاً وسياسيّاً وأخلاقيّاً وإنسانيّاً. ثباتها عليه مصلحةٌ وطنيّة.

نقلا عن ”الغد“

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com